ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الكريسماس بين المفهومين الاوروبي الطقسي والامريكي الثقافي العولمي القسم االثاني
كريسماس أو كريسمس كلمة تعني حرفيا ميلاد السيد المسيح (عليه السلام)، إلا أنه ليس من السهل اعتباره عيدا مسيحياً خالصا فكما يخبرنا (هانز هيلر براند) استاذ التاريخ والدين في جامعة ديوك (بالإنجليزية: Duke University) هي أقدم جامعة أمريكية تقع في مدينة دورهام بولاية كارولاينا الشمالية الأمريكية. أسسها أعضاء من طوائف الميثودية. فالقُرنان المسيحيان الاوليان كان يسودهما الرفض قاطع للاحتفال بميلاد السيد المسيح، في الحقيقة فعند الكنيسة المبكرة الميلاد الحقيقي هو الدخول في الملكوت اثر قول السيد المسيح : «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (متى 18: 3). فضلا عن الخلاف في يوم ميلاد السيد المسيح نفسه وقد استمرت على هذا الموقف بعض طوائف المسيحية حتى اليوم: كشهود يهوه، والصاحبيين، واعضاء كنيسة المسيح. وفي الحقيقة فنصف العقائد المسيحية لا تحتفل بعيد الميلاد.
وفي نفس السياق الزمني القرون المسيحية الاولى كان الوثنيون في شمال اوروبا يحتفلون بعيد الشمس في الخامس والعشرين من ديسمبر/ كانون الاول، وفيما بعد استمر المسيحيون على نفس الوتيرة بالاحتفال بعيد الميلاد (ميلاد المسيح)، وهو يوم مرتبط تاريخياً بـ"عيد الشمس التي لا تُقهر" الوثني في روما القديمة، حيث اختارت الكنيسة هذا التاريخ لتتزامن مع الاحتفالات بعودة الشمس إيذاناً بزيادة النهار، مما أدى إلى ارتباط اليوم دينيًا وثنيًا وتاريخيًا، رغم أن الكتاب المقدس لا يذكر تاريخ ميلاد يسوع بينما كان فلاحوا جنوب أوروبا يحتفلون بعيد زحل إله الزراعة عندهم ( وهو عيد زحل الروماني (Saturnalia) الذي كان مهرجانًا شعبيًا واحتفاليًا يُقام لتكريم الإله زحل، إله الزراعة والحصاد، ويُعرف بأجوائه التي تعكس "العصر الذهبي" من الحرية والمساواة، حيث كانت تنقلب الأدوار الاجتماعية وتُمنح الحرية للعبيد، ويتضمن الاحتفال تبادل الهدايا والولائم والألعاب ويُقام في منتصف ديسمبر، ويُعتقد أنه أثر على تقاليد عيد الميلاد لاحقًا.
وفي الحقيقة لم يعرف احتفال رسمي بميلاد السيد المسيح إلا في القرن الرابع الميلادي حين تبناه الامبراطور البيزنطي "قسطنطين الكبير"(306 – 337م) بعد تحول الامبرطورية البيزنطية من الوثنية الى المسيحية، وساهم بشكل مؤثر في مرسوم ميلانو في عام 313م الذي أعلن التسامح الديني مع المسيحية في الإمبراطورية الرومانية. وهو الذي دعا بعدها مباشرة إلى المجمع المسكوني الأول في مدينة نيقية(= ازنيك التركية حالياً) في عام 325م والذي أثمر عن قانون يُعرف بـ العقيدة النيقية. بُنيت كنيسة القيامة في أورشليم - القدس على قبر يسوع (المسيح) بأمر منه وأصبحت أقدس مكان في العالم المسيحي. كان الإدعاء البابوي بالسلطة الزمنية في منتصف العصور الوسطى معتمداً على التبرع المفترض من قسطنطين، تم تبجيله كقديس في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية على حدٍ سواء. وقد تمت الإشارة إليه تاريخياً باسم «الإمبراطور المسيحي الأول»، وقد قام بشكل كبير بمساعدة الكنيسة المسيحية، ولكن بعض العلماء المعاصرين من المسيحيين اللاهوتيين وغيرهم يناقشون معتقداته وحتى فهمه للإيمان المسيحي نفسه.
ومن جانب آخر فقد اعتبر نفس يوم العيد الوثني هو يوم الاحتفال بميلاد السيد المسيح. ولم يعرف العالم احتفالا عاما وشاملاً بميلاد السيد المسيح إلا بحلول القرن التاسع الميلادي، لكن هل كانت هذه التقاليد التي نعرفها اليوم عن الكريسماس حاضرة في هذه الاحتفالات القديمة، يخبرنا الاكاديمي الامريكي "هانزهيلد براند" ايضاً فانه فيما يبدو فان شجرة عيد الميلاد الشهيرة والشموع لم تظهر إلا في القرن السابع عشر، ورغم حضور الهدايا في مناسبات الميلاد في القرن الخامس عشر الا انها لم تصبح تقليداً يجعل من توزيع الهدايا على الأقربين واجبا ملاصقا للاحتفال إلا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، طبعا كانت الاحتفالات حتى هذا التاريخ تحدث تحت رعاية الكنيسة، ولم يظهر الاحتفال العَلماني البعيد عن المضمون الديني لميلاد المسيح اي الاحتفال خارج الكنيسة إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، وفي هذا التاريخ بدأ يظهر "سانت كلوز" الذي هو نسخة عن "القديس نيكولاس" (المتوفي في القرن الرابع الميلادي)، لتستمر عملية العلمنة هذه لتخليص العيد من مضامينه الدينية شيئاً فشيئاً لتتحول الى مناسبة ثفافية علمانية بالاساس؛ لقد تحول العيد من الدين المسيحي الى الثقافة المسيحية تلك التي يحدثنا عنها عراب الملحدين البريطاني واستاذ العلوم في جامعة اكسفورد"ريتشارد دوكينز"(1941 -؟)، بتحول الاحتفال بميلاد السيد المسيح من احتفال بميلاد المخلص الى بحث عن الخلاص ليس في الكنيسة بل في السوق الذي يجوبه سانت كلوز لا بوصفه قديسا بل بوصفه ملك الهدايا وبائع السلع.
دين الكريسماس
وفي المنوال نفسه يقول (فيشينزوديلوكا) حاكم مقاطعة كامبيانا في ايطاليا في 16/10/2020م: بأنها مجرد أمركة حمقاء ردا على بعض الدعوات بالسماح بالتجمع في ظل ظروف الوباء للاحتفال بالهالووين قائلا:" هذا الهلوين محض هراء مجرد خبل امريكي تم استيراده الى بلادنا هو الآخر ما الذي يحدث اذن عندما تطال الامركة الحمقاء العيد الديني".
والهالووين الهالووين أو هالووين، وبالإنجليزية ( Halloween): هو احتفال يقام في دول كثيرة ليلة 31 أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام وذلك عشية العيد المسيحي الغربي (عيد جميع القديسين)، ولكنهما عيدان مختلفان، مع أن كلمة هالووين (Halloween من Hallowe en) مشتقة من "عشية القديسين" (Hallows Even أي Hallows Evening) التي تفتح به الأيام الثلاثة للسنة الطقسية للمسيحية الغربية المكرسة لاستذكار الموتى بما فيهم القديسون (Hallows) والشهداء وكل المرحومين المؤمنين وهذا فعلا أصل الاحتفال، إلا أن الهالويين كما يحتفل به الآن في دول كثيرة حول العالم باسلوب متأثر بالنسخة الأميركية، وذلك بفضل هيمنة الثقافة الأميركية على الإعلام في عصر العولمة، وهي نسخة بعيدة كل البعد عن الجذور الدينية، ويعد الهالويين مناسبة ثقافية يُحتفل بها حول العالم، خاصة في: الولايات المتحدة، وكندا، وأيرلندا، والمملكة المتحدة وأستراليا.
وحول التغييرات الزمنية والمكانية التي طرأت على عيد الكريسماس، يحدث أن يتحول الى (دين الكريسماس)، كان هذا عنوان الورقة التي قدمها الدكتور (كريستوفر ديكاي)استاذ التاريخ بجامعة كنت- كنتربري البريطانية التي يقول فيها:" أن الكريسماس تحول من عيد ديني أو قومي يحتفل فيه بقيم ثقافية خاصة الى عيد للاستهلاك يحتفل فيه المستهلكون بالشراء والشراء فقط تظهره الافلام كموسم للشراء، وتعرض المتاجر خصومات جبارة ويبدأ الناس في الاستعداد مما عده أفولا للحس الديني المباشر، والدليل على ذلك من خلال الارقام والبيانات فجميع الشركات في السوق الامريكية تنفق على متطلبات عيد الميلاد بمقدار تريليون دولار، ينفق البيت الامريكي في المتوسط 1536 دولار، بينما يقضي الامريكي في المتوسط 15 ساعة في التسوق ليقضي 15 ساعة في الاحتفال، أي انه يحتفل بمقدار ما يتسوق ويتسوق بمقدار ما يحتفل.
وفي هذا الصدد في عملية استبيان بشأن المصاريف التي جرت بشأن الاحتفال بالكريسماس في بعض البلدان الغربية واستراليا: "يصرح 22% من الامريكيين، و17% من البريطانيين، و14% من الاستراليين، و10% من الاوروبيين، أنهم اضطروا الى الاستدانة من أجل شراء مستلزمات الكريسماس، بينما اضطر 14% من الامريكيين الى بيع بعض ممتلكاتهم لتمويل الانفاق على الكريسماس، بينما يرى 40% من الاوروبيين انهم مجبرون على الشراء في الكريسماس، بينما هم لا يرغبون في ذلك؛ إنه التسليع - Commodification) الاداة الاولية في العولمة، تحول نشاطٍ كان مقدساً الى سلعةٍ تباع وتشترى بالمال، بل إن (جيني بارتونيك) و(بوراد دو) الباحثيتين بجامعة بوسطن في الولايات المتحدة الامريكية قد عبرتا عن مظاهر نزعة شراء التقديس في الكريسماس؛ والتي تؤدي الى تحول الكريسماس الى عيد ليس لميلاد الذي افتدى العالم على الصليب بل الى عملية شراء The sacalization of Christmas Commerce ، أو كما وصفته الباحثة في جامعة كلاسكو البريطانية (كارين وينيل) بقولها:" الكريسماس للاستهلاك وفقط".
لقد تم الامر بعَلمنة الكريسماس ثم بِعَولمته وتسليعه، ليصبح في النهاية خادماً لرأس المال ومغذياً لثقافة الاستهلاك، سواءً أكانت هذه التغذية باسم السيد المسيح أوباسم لم شمل العائلة لم يعد الفرق كبيراً.
ستحتفل رغم أنفك
إن الذين تمتلىء جيوبهم وتنتفخ كروشهم بعد كل احتفالات الكريسماس في أوروبا وأمريكا على حساب الذين يستدينون ليشترون منهم، يردون هذه النقود التي في جيبك أيها القابع في احدى دول العالم الاسلامي والعربي ايضاً ولا يحبون أن يقف في طريقهم شىء حتى لو كان هذا الشىء ثقافتك الخاصة أو دينك أو هويتك، وهنا يأتي الاغراق الثقافي Cultural dumbing الذي يعني اشباع السوق والمشهد الثقافي التي تنتمي لمكان آخر، فما أن يقترب شهر ديسمبر/ كانون الاول حتى تعمك الاعلانات من كل مكان: خصومات الكريسماس، اشتري بمناسبة الكريسماس ... والخ.
لم يعرف العالم العربي ولا العالم الإسلامي الكريسماس كعيد ثقافي إلا من قريب وقريبٍ جداً، قبل ذلك كان الاحتفال مقصوراً على الطوائف الدينية المسيحية التي تعيش في هذه البلاد، وكان الاحتفال احتفالاً دينياً خالصاً داخل دور عبادتهم يشبه الاحتفال بما كانت تحتفل به الدولة الرومانية البيزنطية.
التحول الذي حدث هو تحول بدخول العولمة (Globalization) كما يلاحظ الباحث( كيفن روبنس) استاذ علم الاجتماع في جامعة لندن بورقة قدمها تحت عنوان ( التقاليد والترجمة: الثقافة المحلية في سياقها العولمي):" أن دخول السوق العالمية في مكان ما يصحبه تحول في الثقافة والهوية وأساليب الحياة في هذا المكان؛ يجبرك الاختراق الثقافي على الاحتفال بعيدٍ لا تعرفه ليس له تاريخ ثقافي يخصك، وليس هذا فحسب بل يجبركأن تحتفل وبنفس الطريقة بأن تقدس الاستهلاك وتنظم لدين الكريسماس، وإذا كنت تنضم لدين الكريسماس، كيف يستقيم أن تكون منطويا تحت لواء دينٍ آخر.
وعلى أية حال فإن أوروبا الكاثوليكية: تنطلق من لاهوت القديسين والوساطة بين السماء والإنسان.
أما أمريكا البروتستانتية: فتقوم على رفض الوساطة الكنسية والقديسين والتركيز على الإيمان الفردي. البروتستانت تاريخيًا رفضوا عبادة القديسين. تم نزع قدسية سانت كلوز: لم يعد “قديسًا" لا دور لاهوتي رسمي له أصبح شخصية ثقافية لا دينية، عيد الميلاد يركّز رسميًا على السيد المسيح، لكن سانت كلوز يعيش خارج اللاهوت.
في المسيحية المبكرة لم يتم الاحتفال بعيد الميلاد، لاحقًا ومع بدء ترتيب السنة الطقسيّة اقترحت تواريخ متعددة للاحتفال بالعيد قبل أن يتم الركون إلى تاريخ 25 ديسمبر بعد نقاشات مستفيضة حول التاريخ الأنسب للاحتفال. غير أن بعض الكنائس كالكنيسة الأرمنيّة كانت ومن قبل التحديد في 25 ديسمبر/ كانون الاول، قد جمعت الميلاد مع الغطاس في عيد واحد، ما دفع إلى إقامتها الميلاد مع الغطاس في 6 يناير/ كانون الثاني.
وفيما بعد لاحقًا، ومع إصلاح التقويم اليولياني ونشوء التقويم الكريكوري - الغريغوري المتبع في أغلب دول العالم اليوم، نشأ فرق في التوقيت بين 25 ديسمبر/ كانون الاول اليولياني الشرقي و25 ديسمبر/ كانون الاول الغريغوري الغربي، ولكون الفرق يتزايد بمرور القرون، فالفرق حاليًا ثلاثة عشر يومًا وغدت الكنائس التي تتبع التقويم اليولياني الشرقي تقيم العيد في 7 أو 8 يناير/ كانون الثاني في حين تقيمه الكنائس التي جمعته مع عيد الغطاس على التقويم الشرقي في 19 يناير/ كانون الثاني رغم قلّة عددها وأبرزها بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس، في حين أن بطريركية كيلكيا الارمنية في تركيا اعتمدت التقويم الغربي وباتت تقيم عيد الميلاد مع عيد الغطاس في 6 يناير/ كانون الثاني.
فمن المألوف أن تقيم عدد من الكنائس الأرثوذكسية عيد الميلاد والغطاس بحسب التقويم الكريكوري- الغريغوري منها: بطريركية انطاكية، والقسطنطينية، والإسكندرية، واليونان، وقبرص، ورومانيا، وبلغاريا. أما كنائس روسيا، وأوكرانيا، والقدس، وصربيا، ومقدونيا، ومولدوفيا، وجورجيا، وكازاخستان، وروسيا البيضاء، والجبل الأسود فضلًا عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية، وكنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإريترية، فتعتمد التقويم اليولياني في تحديد هذه الأعياد. بكل الأحوال لا تعتبر الطوائف المسيحية الاحتفال تاريخًا واقعيًا لذكرى ميلاد السيد المسيح، بل باستذكار قدومه إلى العالم وما حمل ذلك من معانٍ روحية سامية.