مسرح العرائس السياسي: كيف يُباع "الحلم الكوردي" في سوق المزادات الخارجية؟
في العقيدة العسكرية المعاصرة، وتحديداً ضمن استراتيجيات "الحرب الهجينة"، لا تُهدم الحصون السيادية بالمواجهات الجبهية أو قصف المدافع فحسب، بل يتم اختراقها عبر "طابور خامس" يجيد تقمص دور الكومبارس في مسرحية أُعدت نصوصها في غرف الاستخبارات خلف الحدود. إن ما يشهده المشهد البرلماني اليوم ليس ممارسة ديمقراطية تهدف للإصلاح، بل هو "انقلاب صامت" ومكتمل الأركان، تدار خيوطه من وراء الستار لتصفية الكيان الدستوري لإقليم كوردستان تحت غطاء التشريع.
لقد أدرك "العقل الخارجي" الذي يُهندس الجغرافيا السياسية للمنطقة، أن كسر إرادة الإقليم وتدجين قراره يمر عبر بوابة واحدة: تحجيم "البارتي"، بوصفه المدافع الصلب عن حلم السيادة وصاحب الرصيد الجماهيري المليوني. لذا، نُفذت المؤامرة عبر مسارين متوازيين: أولهما "انقلاب ناعم" استهدف هيكلية نظام الانتخابات لكسر التوازن القومي، وثانيهما صناعة "معارضة كوردية" مستأجرة، تحولت إلى مجرد دمى في مسرح عرائس كبير، تترنح وتتحرك وفق ما تشتهيه الأصابع الخارجية التي تملك "الثمن" وتحرك الخيوط.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري الذي يكشف زيف هذه العملية: كيف لكيانات سياسية مجهرية ،لا يكاد يُرصد لها أثرٌ في الشارع، وتفتقر لشرعية المقاعد أو التفويض الشعبي، أن تستحوذ فجأة على مقاليد القرار وتتصدر المشهد السيادي؟ إننا لو رأينا هذه القوى تطالب بحقوقٍ أو استحقاقاتٍ توازي حجم تمثيلها الانتخابي أو وزنها الشعبي الحقيقي، لقلنا إنها ممارسة ديمقراطية مشروعة، بيد أن هذه الكيانات، التي أخفقت في نيل ثقة الجماهير عبر صناديق الاقتراع، تم تضخيمها اصطناعياً عبر مختبرات سياسية خارجية لتؤدي دور الأغلبية البديلة. إن نيلها للمناصب الرفيعة والحقائب الوزارية ليس استحقاقاً ديمقراطياً، بل هو مكافأة سياسية نظير قبولها بدور الأداة الوظيفية، فهي أحزاب تفتقر للقاعدة الجماهيرية لكنها تحظى بـ الغطاء الخارجي، مما يضعها في حالة ارتهانٍ كامل للأوامر، ويجعلها رهينةً لمن سدد "ثمن" ولائها سلفاً. إن الغرض الاستراتيجي من تمكين هذه الأقزام السياسية هو صناعة واجهة "كوردية" مهجنة، تتولى تنفيذ أجندة تقويض الطرف القومي الصلب وتفكيك وحدة الإقليم، تماشياً مع مقتضيات المخطط الإقليمي الكبير
إن ما تفعله هذه "المعارضة" اليوم هو استنساخ مرير للحقبة السوداء التي أسقطت الإمارات الكوردية التاريخية مثل بهدينان، سوران، وبابان. في ذلك الوقت، استعمل الخصوم سلاح "فرق تسد"، مستغلين طمع وجشع البعض لاختراق الجبهة الداخلية، مما أدى لسقوط تلك الكيانات السيادية واحدة تلو الأخرى نتيجة الارتماء في أحضان الأجندات الخارجية. واليوم، يعيد التاريخ نفسه، حيث خطط "العقل الخارجي" لهذه المؤامرة بامتياز، وطبقتها الأدوات المحلية بحذافيرها، ليكونوا السكين التي تحاول نحر الحلم القومي من الداخل.
ختاماً، إن الرد على محاولات تزييف التاريخ وهدم الحاضر، يكمن في إدراك أن ما يجري هو خيانة للمبادئ مُغلفة بالبروتوكولات. هؤلاء الذين يظنون أنهم بمؤامرتهم ضد "البارتي" سيحصلون على مكاسب دائمة، يغفلون حقيقة عسكرية ثابتة: "الخائن يُستخدم لمرة واحدة ثم يُرمى في مزبلة التاريخ". إن القلاع التي بُنيت بدماء الشهداء وأصوات الملايين لن تسقط بمؤامرات "مقاولي الهدم" الجدد، والخيوط التي يحركها الخارج ستنقطع حتماً أمام صمود أمة، ترفض أن تكون "ضيعة تابعة" وتتمسك بحقها التاريخي والسيادي الذي أثبتته القرون قبل ولادة الخرائط الحديثة.