مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
بين سطوة النفوذ وسلاح الدولار.. العراق يواجه اختبار البقاء بين واشنطن وطهران
عندما تسير في شوارع بغداد اليوم، تشعر بهدوء حذر يسبق العواصف السياسية. المواطن العراقي، الذي بات خبيراً في قراءة لغة الجسد لسياسييه، يدرك أن الحكومة الجديدة التي يجري هندستها خلف الجدران الإسمنتية للمنطقة الخضراء، ليست سوى انعكاس لشد الحبل العنيف بين واشنطن وطهران. هذا الصراع لم يعد دبلوماسياً فحسب، بل تحول إلى معركة كسر عظم تمس لقمة عيش الناس وأمنهم اليومي.
تشكيل الحكومة في مطلع 2026 لم يعد يتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية بين المكونات؛ بل بات يتعلق بالبحث عن شخصية يمكنها أن "تعتذر" للولايات المتحدة بذكاء، وتطمئن إيران بصدق. القوى السياسية المشكلة للإطار التنسيقي وحلفائها تجد نفسها أمام معضلة: الشارع يريد خدمات واستقراراً، والشركاء الإقليميون يريدون مواقف.
المفارقة هنا أن أي رئيس وزراء يتم اختياره يدرك أن عمر حكومته مرتبط بمدى قدرته على الحفاظ على شعرة معاوية مع الفصائل التي تمتلك السلاح، ومع البنك المركزي الذي يمتلك مفاتيح الدولار.
أما واشنطن فقد انتقلت في تعاملها مع العراق من لغة الطائرات المسيرة إلى لغة منصة التحويلات المالية، التهديد الأمريكي اليوم ليس باحتلال بغداد، بل بعزلها مالياً. تدرك واشنطن أن خنق تدفقات الدولار هو الوسيلة الأنجع لتحجيم نفوذ الفصائل الموالية لإيران.
هذا الحصار النقدي يضع أي حكومة جديدة في مواجهة مباشرة مع شعبها؛ فارتفاع سعر الصرف يعني غليان الشارع. وبذلك، أصبحت واشنطن تمارس ضغطاً أمنياً بصبغة اقتصادية، مفاده: بقدر ما تبتعدون عن طهران، بقدر ما نفتح لكم حنفية السيولة.
بالنسبة لطهران، العراق في 2026 هو خط الدفاع الأول، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة عليها، لا يمكن لإيران أن تسمح بوجود حكومة في بغداد تدور في الفلك الأمريكي. التدخل الإيراني هنا ليس مجرد "أوامر" تُعطى، بل هو تداخل عضوي في بنية الدولة، من الاقتصاد إلى مفاصل الأمن.
الإيرانيون يقرأون التحركات الأمريكية في العراق كجزء من خطة أوسع لتطويقهم، ولذا فإنهم يدفعون بحلفائهم لترسيخ قوننة وجود الفصائل المسلحة (الحشد الشعبي) كضمانة أخيرة. بالنسبة لإيران، خسارة بغداد تعني انكشاف دمشق وبيروت، وهي مقامرة لن تسمح بحدوثها مهما كلف الثمن.
أمنياً، يعيش العراق حالة ازدواجية السلطة. فمن جهة، هناك جيش عراقي وجهاز مكافحة إرهاب يحظى باحترام داخلي ودولي، ومن جهة أخرى، هناك فصائل مسلحة تمتلك أيديولوجيتها الخاصة وقرارها المستقل.
التحدي الأكبر في 2026 هو ضبط السلاح المنفلت دون الدخول في حرب أهلية (شيعية-شيعية). أي محاولة من الحكومة الجديدة لتقليم أظافر الفصائل إرضاءً لواشنطن قد تؤدي إلى انهيار أمني شامل، وأي تغاضٍ عن نفوذ هذه الفصائل سيؤدي إلى عقوبات أمريكية قد تفلس الدولة. إنه توازن الرعب في أبشع صوره.
وسط هذا الضجيج السياسي، يقف المواطن العراقي ليراقب سعر الدينار مقابل الدولار أكثر من مراقبته لأسماء الوزراء. في المقاهي البغدادية، يسود شعور بأن السيادة "مجزأة"؛ فالسماء تتقاسمها الطائرات، والأرض تتقاسمها الولاءات.
المواطن العراقي في 2026 بات يطمح لدولة طبيعية فقط، دولة لا تضطر للاختيار بين الجار (إيران) وبين الصديق اللدود (أمريكا).
الخلاصة: هل من مخرج؟
يجب على الطبقة السياسية أن تدرك أن اللعب على حبال التناقضات بين واشنطن وطهران لم يعد مجدياً. المطلوب هو "تأميم القرار السياسي"؛ أي الجلوس على طاولة مستديرة وطنية للاتفاق على تعريف موحد للمصلحة الوطنية العليا. لا يمكن بناء دولة إذا كان ولاء بعض أركانها للخارج، ولا يمكن حماية سيادة إذا كانت العواصم الأخرى هي من ترسم الخطوط الحمراء.
العراق اليوم لا يحتاج إلى معجزة سياسية بقدر ما يحتاج إلى عقلانية قاسية. نجاح الحكومة الجديدة مرهون بقدرتها على تسويق نفسها كمنطقة عازلة للصراعات، لا منصة انطلاق لها.
إذا استمرت واشنطن في استخدام الاقتصاد كسلاح، واستمرت طهران في استخدام الجغرافيا كدرع، فإن العراق سيظل يدور في هذه الحلقة المفرغة. المخرج الوحيد هو "عرقنة" القرار السياسي، وهو طريق طويل وشاق، يبدأ بالاعتراف بأن قوة العراق تكمن في توازنه، لا في انحيازه.
التاريخ لن يغفر لمن أضاع فرصة عام 2026. العراق اليوم يمتلك الوفرة المالية، والموقع الاستراتيجي، والقبول الدولي النسبي. ما ينقصه فقط هو إرادة سياسية تترفع عن المصالح الحزبية الضيقة لتكتب عقداً اجتماعياً جديداً يحمي العراق من التفتت ويحفظ كرامة إنسانه. الخيار أمامكم: إما بناء دولة تبقى، أو التمسك بسلطة زائلة.
في نهاية المطاف، سيبقى العراق هو الاختبار الأكبر لنظرية الفوضى المنظمة في الشرق الأوسط؛ فإما أن ينجح في هندسة استقراره الخاص، أو يبقى صندوق بريد يحترق فيه الجميع.