البارزاني والشرع.. أربيل مرجعية الحل والرقم الأصعب في المعادلة
أربيل (كوردستان 24)- جاء الاتصال الهاتفي التاريخي بين أحمد الشرع “الجولاني”، القوة الصاعدة في دمشق، والرئيس مسعود بارزاني، ليضع النقاط على الحروف ويحسم الجدل حول "المرجعية الكوردية العليا"، فهذا التواصل المباشر لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو اعتراف دولي وإقليمي صريح بأن أربيل هي المحطة الأولى والأخيرة لحل المعضلة الكوردية في المنطقة.
لقد أدرك الشرع، ومن خلفه القوى التي تدعمه، أن أي استقرار في سوريا الجديدة لن يكتب له النجاح دون التنسيق مع الحكمة السياسية للبارزاني، الذي يظل الملاذ الآمن والضامن الوحيد لحقوق المكونات في مواجهة تقلبات السياسة الدولية، وهي النتيجة التي أوضحها هذا الاتصال بكل جلاء.
ومن هذا الاعتراف بالمرجعية، يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية تحول الشرع من "قوائم الإرهاب" وجذور التنظيمات المتطرفة إلى قائد دولة يحظى بالاعتراف؟ الحقيقة تكمن في "الهندسة الجيوسياسية" التي تقودها المصالح الدولية، فالمعادلة الجديدة استوجبت خلق بديل سني قوي قادر على ضبط الأرض السورية وتأمين حدود الجيران.
هذا المسار تطلب "تحولاً جذرياً" في خطاب الشرع مقابل تقديم ضمانات أمنية، بما في ذلك التلميحات حول أمن الحدود والجولان، مما حوّله في ليلة وضحاها من ملاحق دولي إلى لاعب سياسي تراه القوى الكبرى اليوم خياراً واقعياً لملء الفراغ السيادي.
هذا الصعود المدروس للشرع، وتوجهه المباشر نحو أربيل، يعكس تغيراً واضحاً في الأولويات الدولية تجاه الشمال السوري، فالمؤشرات السياسية الحالية تشير إلى رغبة في إعادة صياغة المشهد الكوردي بعيداً عن الصدامات الإقليمية الحادة.
الهدف هنا هو الوصول إلى صيغة تنهي المخاوف الإقليمية، وتحديداً التركية تجاه ميراث الـ PKK، عبر منح الكورد حقوقهم القومية والمدنية تحت غطاء سياسي معترف به ومرجعية رصينة، وهو ما يفسر لجوء الشرع للرئيس بارزاني لانتزاع هذه الشرعية التاريخية، وهو تحرك يضع "قوات سوريا الديمقراطية" أمام تحدي إعادة التموضع الصعب في خارطة التحالفات الجديدة.
قد تتغير العواصم، وتتبدل الوجوه، وتنهار الإمبراطوريات تحت وطأة الغدر، لكن الجبال الراسية لا تنحني إلا لخالقها، وهكذا هو "النهج البارزاني"، يثبت اليوم أن الشرعية لا تُشترى بالتحالفات العابرة، بل تُصان بالثبات على الحقوق القومية المقدسة.
إن اضطرار الخصوم قبل الأصدقاء لطرق أبواب أربيل هو صرخة في وجه التاريخ بأن زمن التهميش قد ولى، وأن إرادة شعبٍ يقوده مسعود بارزاني هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات.
ليبقى البارزاني شامخاً، ليس كزعيم لحزب أو إقليم، بل كرمز كوني ومرجعية أخلاقية وحيدة، لا يجرؤ أحد على رسم خارطة المستقبل الكوردي دون أن يخطّ أول حروفها في ديوانه، فهو صمام الأمان، والدرع الحصين، والكلمة الفصل في زمن الصمت والخذلان.