خرائط بلا شعب: كيف تُعاد كتابة سوريا على حساب الكورد

يحمل السكان أمتعتهم أثناء فرارهم من حي الأشرفية ذو الغالبية الكوردية في حلب- 7 يناير 2026 بسبب القصف الحكومي (فرانس برس)
يحمل السكان أمتعتهم أثناء فرارهم من حي الأشرفية ذو الغالبية الكوردية في حلب- 7 يناير 2026 بسبب القصف الحكومي (فرانس برس)

في كل مرة يُعاد فيها فتح ملف تقسيم سوريا، لا يعود التاريخ بوصفه ذاكرة، بل كتحذير لم يُصغَ إليه. ما يُناقش اليوم في العواصم الغربية، وما يُهمَس به عن خرائط جديدة وتسويات “واقعية”، ليس إلا نسخة مُحدَّثة من اتفاقية الجزائر 1975؛ اتفاقيات تُبرم على الطاولات، وتُنفَّذ على أجساد الشعوب، وغالبًا ما يكون الثمن كرديًا.

اتفاقية الجزائر لم تكن تسوية حدودية فحسب، بل نموذجًا صارخًا لكيفية استخدام شعبٍ كامل كورقة تفاوض ثم التخلي عنه. هنري كيسنجر، مهندس تلك الصفقة، جسّد بعقل بارد منطق تلك المرحلة: حين تنتهي الحاجة، يُسحب الغطاء. في لحظة واحدة، توقّف الدعم، انهارت الجبهات، وبدأ نزيف طويل لم يُفتح له ملف محاسبة واحد. لم يكن ذلك سوء تقدير، بل قرارًا محسوبًا بأن الكرد يمكن التضحية بهم بلا كلفة دولية.

اليوم، يتكرّر المشهد ذاته في سوريا. تتبدّل المصطلحات—“سوريا المفيدة”، “مناطق النفوذ”، “اللامركزية المشروطة”—لكن الجوهر واحد: تقاسم النفوذ قبل حماية الإنسان. وفي قلب هذه الصيغة الباردة، يقف الكرد مرة أخرى خارج النص، أو في هامشه الدموي.

الأرقام هنا ليست تفصيلًا، بل شهادة. منذ اندلاع الحرب السورية، قُتل آلاف المقاتلين الكرد في مواجهة تنظيمات متطرفة ومعارك متعددة الجبهات، ويُقدَّر عدد القتلى من المكوّن الكردي ضمن قوات سوريا الديمقراطية بالآلاف، في سياق خسائر إجمالية كبيرة تكبّدتها تلك القوات. أما المدنيون، فدفعوا ثمنًا لا يقل فداحة.

ففي كوباني عام 2015 وحدها، قُتل أكثر من مئتي مدني كردي في مجزرة هزّت الضمير العالمي أيامًا ثم طواها الصمت. وعلى امتداد السنوات، تشير تقديرات أممية وحقوقية إلى آلاف المفقودين الكرد الذين لا يُعرف مصيرهم حتى اليوم.

ما يتعرض له الكرد في حلب ليس حادثًا معزولًا ولا نتيجة فوضى عابرة، بل امتدادٌ طبيعي لهذا المنطق. أحياء كردية تعرّضت للقصف والحصار، وسكان دُفعوا إلى النزوح المتكرر، وسقوط ضحايا مدنيين في جولات عنف متلاحقة، في وقت يُتعامل فيه مع معاناتهم كأنها هامش يمكن تجاوزه في طريق التسويات. الكرد في حلب لا يُستهدفون بالسلاح فقط، بل بالصمت، وبالاعتياد الدولي على رؤية الألم نفسه يتكرر.

وهنا يفرض السؤال نفسه، لا بوصفه عاطفة بل كاتهام تاريخي: لماذا هذا الصمت المزمن على الدم الكردي؟

لأن الكرد، عبر قرن كامل، كانوا دائمًا خارج معادلة الدولة. لأنهم موزّعون على جغرافيا تتنازعها قوى أكبر منهم. ولأن المجتمع الدولي اعتاد استدعاءهم كقوة ضرورة، ثم تركهم عندما يحين وقت الاتفاق. من مهاباد إلى كوباني، ومن الجزائر إلى حلب، تتغير العناوين ويبقى الثمن واحدًا.

الشواهد لا تحتاج إلى تنقيب. بعد اتفاقية الجزائر، لم يُحاسَب أحد على خيانة حليف قاتل لسنوات. وبعد كل محطة مفصلية في سوريا، كانت الأرقام ترتفع والصمت يزداد رسوخًا. كلما حاول الكرد تثبيت حقهم في الوجود، أُعيد تذكيرهم بأن سقفهم مرسوم سلفًا في غرف لا يدخلونها.

أخطر ما في هذا الصمت أنه لم يعد حيادًا، بل أصبح مشاركة ضمنية. فالتجاهل المتكرر يحوّل القتل إلى أمر اعتيادي، ويمنح الجناة شعورًا بأن الكلفة صفر. من هنا، تصبح مسؤولية الرأي العام العالمي أخلاقية قبل أن تكون سياسية: كسر الصمت، الضغط من أجل حماية المدنيين، ووقف القتال الذي يدفع الكرد ثمنه في كل جولة.

إيقاف قتال الكرد، وحماية وجودهم في حلب وسائر المناطق، ليس دفاعًا عن قومية بعينها، بل دفاع عن مبدأ بسيط طالما جرى سحقه: لا سلام يُبنى على إنكار شعب. كل اتفاق يتجاهل هذه الحقيقة سيحمل في داخله بذور انهياره، كما انهارت قبله اتفاقية الجزائر أخلاقيًا قبل أي شيء آخر.

هذه ليست مرثية، بل تنبيه  فالتاريخ الذي صمت طويلًا، يسجّل بدقة. والدم الذي يُهدر اليوم باسم الواقعية السياسية، سيعود غدًا كدينٍ ثقيل في سجل العالم كله.