متى ستعقلون أن إرادة الكورد لا تُكسَر.. يا مَن نزل فيكم القرآنُ، أفلا تعقلون؟

متى ستعقلون أن إرادة الكورد لا تُكسَر.. يا مَن نزل فيكم القرآنُ، أفلا تعقلون؟
متى ستعقلون أن إرادة الكورد لا تُكسَر.. يا مَن نزل فيكم القرآنُ، أفلا تعقلون؟

على خارطة الشرق، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإمبراطوريات، يبرز الكورد كظاهرة إنسانية وتاريخية تأبى الترويض. إنهم الشعب الذي لم يقرأ التاريخ فحسب، بل كتبه بدمه على سفوح زاغروس وطوروس. واليوم، حين يرتفع الصوت متسائلاً: متى ستعقلون أن الكورد لن تُكسر إرادتهم؟، فإنه لا يطرح تساؤلاً سياسياً عابراً، بل يوجه صفعة فكرية لكل من يحاول إنكار الشمس بغربال الظلم، مخاطباً الضمائر التي تتلو الكتاب وتخالف جوهره، يا من نزل فيكم القرآن لعلكم تعقلون.

إن سر قوة الكوردي لا يكمن في عتاده، بل في كينونته. لقد تشكلت الشخصية الكوردية من قسوة الجبال وشموخها؛ فمن اتخذ الجبال بيتاً، لا يعرف قلبه سبيلاً للخوف. إنها إرادة "صخرية" لا تعترف بالانكسار؛ لأن الانكسار في قاموس الجبال يعني الانهيار، والكورد لم ينهاروا يوماً رغم زلازل السياسة ومحارق التاريخ.

الشجاعة الكوردية ليست تهوراً، بل هي عقيدة بقاء. إنها شجاعة البيشمركة (الذين يواجهون الموت)، وهي كلمة تختصر فلسفة شعب يرى في الكرامة ثوباً لا يكتمل إلا بالتضحية. فمن واجه الطائرات بصدور عارية في حلبجة، وزحف من تحت الرماد في الأنفال ليقول "أنا موجود"، هو شعبٌ تجاوزت إرادته حدود المنطق البشري لتلامس حدود الإعجاز.

إن النداء القرآني "لعلكم تعقلون" جاء ليحث البشر على التدبر في آيات الله، ومن أعظم هذه الآيات "التنوع". فكيف يقرأ المرء القرآن الذي يقول: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، ثم يمارس سياسة الصهر والإنكار بحق شعب عريق؟

إن العقل الذي يدعو إليه القرآن هو العقل الذي يدرك أن الحقوق لا تُسلب بالقوة، وأن الشعوب التي تملك لغة، وثقافة، وتاريخاً ممتداً لآلاف السنين، لا يمكن محوها بجرة قلم أو بقرار عسكري. إن "التعقل" يقتضي الاعتراف بأن القضية الكوردية ليست "مشكلة أمنية"، بل هي "حق إنساني" و"قدر إلهي" في التنوع. فأين عقولكم حين تحاولون كسر ما جبلته يد القدر على الحرية؟

لقد جرب الطغاة على مر العصور كل أدوات الفناء ضد هذا الشعب؛ جربوا الترحيل القسري، وتغيير الديموغرافيا، ومنع اللغة، وحتى السلاح الكيماوي. والنتيجة؟ بقي الكوردي بقامته المديدة، واندثر الطغاة في مزابل التاريخ.

إن قوة الكورد تكمن في أنهم شعب لا ينسى. الذاكرة الكوردية هي المحرك للثورة الدائمة؛ فكل أم كوردية هي مدرسة في الصمود، وكل شاب كوردي يحمل في جيناته وصايا الأجداد بأن الأرض هي العرض. إن إرادتهم قوية لأنها لا تتغذى على كره الآخرين، بل على حب الذات والهوية، وهي إرادة لا تُكسر لأنها تستمد شرعيتها من الحق الطبيعي في الوجود.

لم يكن الكورد يوماً دعاة حرب، بل كانوا دائماً حماة حضارة. من صلاح الدين الأيوبي الذي جسد قمة الفروسية والأخلاق الإسلامية، إلى المبدعين والكتاب الذين أثروا الفكر العالمي. إنهم شعب يعشق الحياة بقدر استعداده للموت من أجل حريته.

إن الرسالة التي يجب أن يفهمها الجميع هي أن إرادة الكورد "صلبة" كصوان جبالهم، "خالدة" كخلود لغتهم، و"مقدسة" كقدسية حقهم في تقرير مصيرهم.

ختاماً، إن القوة لا تُقاس بعدد الدبابات، بل بمدى الإيمان بالحق. والكورد آمنوا بحقهم إيماناً لا يتزعزع. فعلى الذين ما زالوا يراهنون على كسر هذه الإرادة أن يراجعوا عقولهم، وأن يقرأوا التاريخ بإنصاف، وأن يتدبروا في آيات الله التي جعلت من اختلاف الألسن والألوان آية للعالمين.

ستظل الإرادة الكوردية هي الصخرة التي تتحطم عليها كل أوهام السيطرة والإخضاع. فمتى ستعقلون؟ إن الكوردي لم يُخلق لينكسر، بل خُلق ليكون حراً كالصقر فوق قمم جباله.

الحرية للكورد، والعدل للمظلومين، ولعلكم تعقلون قبل فوات الأوان.