حين تُدار السياسة بعقلية الجالنج

حين تُدار السياسة بعقلية الجالنج
حين تُدار السياسة بعقلية الجالنج

إذا أراد الكورد أن يكونوا دولة، فعليهم أولًا مواجهة الحقيقة كما هي، لا كما تُسوَّق في الخطابات والشعارات. فمن شروط تأسيس الدولة في مرحلتها الأولى تقليص تعددية الأحزاب، لأن هذه المرحلة لا تحتمل تشتّت القرار ولا صراع المراكز. فالقوة السياسية لا تتجزأ عندما يكون الهدف هو التأسيس، وهو ما أشار إليه ميكيافيللي بوضوح حين أكد أن الدولة تُبنى على رئيس واحد، وقرار واحد، ومركز واحد، وتنفيذ من جهة واحدة، ورأي واحد، مع استخدام قدر محسوب من الحزم والحيلة السياسية والردع، يتبعه التنفيذ. إن بيئة الشرق الأوسط، بما تحمله من تدخلات وصراعات وهشاشة مؤسسات، غير ملائمة لتطبيق الديمقراطية التعددية في المراحل التأسيسية الأولى، لأن التعدد قبل ترسيخ الدولة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى الصراع.

الديمقراطية، في معناها الجوهري، لا تعني تشتيت الإرادة الشعبية بين عشرات المشاريع أو الأحزاب المتنافسة، بل تعني وعي المجتمع وقدرته على توحيد خياره عندما تقتضي مصلحة الدولة ذلك. ففي المجتمعات التي امتلكت وعيًا سياسيًا مؤسسيًا، كان الشعب نفسه هو من اختزل تعدديته الحزبية في مرحلة التأسيس، ثم أعاد فتح المجال للتعدد بعد تثبيت الدولة والمؤسسات. وقد أثبت التاريخ أن دولًا عديدة لم تبدأ بالتعددية الواسعة. فألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وغيرها، لم تبدأ بالتعددية الواسعة، بل بقرار مركزي قوي. وخير مثال على فشل التعددية في ظل غياب الوعي الشعبي هو ما شهدته المنطقة، إذ إن عدم النضج السياسي يفضي إلى الفوضىى، تجربة ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، في غياب مشروع دولة ووعي الشعبي ، تحول المشروع إلى «خريف عربي» دموي، سقطت فيه أنظمة من دون أن تقوم دول، وتحولت شعارات التغيير إلى فوضى مفتوحة، كما حدث في ليبيا واليمن وسوريا، وانتهى في حالات أخرى إلى انسداد سياسي طويل الأمد كما في العراق. وقد أثبتت هذه التجارب أن إسقاط السلطة بلا مشروع دولة لا يُنتج حرية، بل فراغًا وفوضى.

 وفي هذا السياق، يلفت الصحفي والباحث الأميركي Jonathan Randal الانتباه، في كتابه An Uncivil Society: Paths of the Middle East، إلى أن الخطاب الأميركي حول دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط ظلّ في الغالب خطابًا نظريًا، بينما فضّلت السياسات العملية التعامل مع أنظمة مركزية غير تعددية قادرة على فرض السيطرة وضبط المجال السياسي. ويرى راندل أن إدخال التعددية السياسية في مجتمعات لم تُحسم فيها بعد مسألة الدولة والهوية يؤدي غالبًا إلى التفكك والفوضى، لا إلى بناء دولة مستقرة، وهو ما ينسجم مع مآلات التحولات السياسية غير المؤسسية في المنطقة.

في ظل هذه المعطيات، تصبح التطورات داخل البيت الكوردي أكثر حساسية وخطورة. فبدل أن تكون السياسة أداة لبناء الدولة وتحصين المشروع الوطني، تحوّلت عند بعض قادة الأحزاب إلى ساحة جالنج وانتقام، يُلقى فيها التحدي تلو الآخر لإضعاف الحكومة أو تعطيل المؤسسات، لا لإصلاحها أو تطويرها. وعندما تفشل بعض القوى في الوصول إلى السلطة، لا تتجه إلى مراجعة برامجها أو أدواتها، بل تنزلق إلى عقلية الانتقام السياسي، فتعمل على إرباك الشارع وتعطيل القرار العام، ولو كان الثمن تعريض المجتمع للأزمات والانقسامات.

فالسياسة التي تُدار بالاستهتار والجالنج ليست طريق الدولة، بل طريق إهدار دم الشهداء وتحويل تضحيات شعب كامل إلى وقود لصراعات عديمي الخبرة. ومن أراد حقًا تأسيس دولة، فليعلم أن هذا المسار ليس طريقها، وأن الدولة لا تُبنى بالانتقام، بل بوحدة القرار، وتحمل المسؤولية، واحترام إرادة الشعب.