(فنزويلا) والسوق النفطي العراقي التأثير غير المباشر وأزمة النموذج الريعي

(فنزويلا) والسوق النفطي العراقي التأثير غير المباشر وأزمة النموذج الريعي
(فنزويلا) والسوق النفطي العراقي التأثير غير المباشر وأزمة النموذج الريعي

يُثار كثيرًا الحديث عن تأثير تطورات قطاع النفط الفنزويلي على الدول المنتجة للنفط، ومن بينها العراق. إلا أن هذا التأثير، عند تفكيكه اقتصاديًا، لا يمكن اعتباره حاسمًا أو فوريًا، بل هو تأثير غير مباشر يمر عبر آليات السوق العالمية، وليس عبر علاقات دولية أو تنافس مباشر في الأسواق التقليدية.

طبيعة التأثير الفنزويلي

تواجه فنزويلا تحديات هيكلية عميقة في قطاعها النفطي، أبرزها ضعف الاستثمار، وتدهور البنية التحتية، والحاجة إلى استثمارات ضخمة تمتد لسنوات من أجل إعادة الإنتاج إلى مستويات مؤثرة. كما أن النفط الفنزويلي يُصنّف ضمن أنواع النفط الثقيلة والحامضية؛ ما يجعله صالحًا للتكرير في عدد محدود من المصافي عالميًا، خاصة في الولايات المتحدة. وعليه، فإن أية زيادة محتملة في الإنتاج الفنزويلي قد تسهم في رفع المعروض العالمي، الأمر الذي يخلق ضغطًا نسبيًا على الأسعار. هذا الضغط قد ينعكس بشكل سلبي محدود على العراق، لكنه لا يشكّل خطرًا مباشرًا، خصوصًا في ظل الفروقات الفنية في نوعية النفط، وآليات الإنتاج، والسياسات المعتمدة في إدارة المكامن النفطية من قبل الشركات العالمية، لاسيّما بالنسبة لموقع العراق في السوق العالمية.

يمتلك العراق عدة عوامل تخفف من حدة التأثير الخارجي، أهمها:

1.  ارتفاع الطلب الآسيوي على نفط الخليج، حيث تُصدَّر نحو 70% من صادرات النفط العراقي إلى الأسواق الآسيوية.
2. انخفاض كلفة الإنتاج؛ مقارنة بالعديد من الدول المنتجة.
3. استقرار نسبي في التصدير؛ برغم التحديات السياسية والأمنية.
كل هذه العوامل تجعل تأثير فنزويلا على العراق محدودًا ضمن الإطار العالمي، وليس تهديدًا قائمًا بذاته.

الخطر الحقيقي؛ هشاشة النموذج الاقتصادي

الخطر الأكبر الذي يواجه العراق لا يكمن في فنزويلا أو غيرها من الدول المنتجة، بل في الاعتماد شبه الكامل على النفط كمورد وحيد. ففي ظل تذبذب الأسعار العالمية، والتوجه المتسارع نحو الطاقة البديلة، وتباطؤ القطاع الصناعي في الصين، وارتفاع المخزون النفطي الأمريكي إلى مستويات مضاعفة، يتعرض الطلب العالمي على النفط لضغوط حقيقية تنعكس مباشرة على الأسعار. وهنا تتجلى الإشكالية الأعمق؛ هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي. فالاقتصاد الريعي يجعل الموازنة العامة رهينة لعوامل لا يمتلك العراق أية سيطرة عليها، وأية صدمة في السوق العالمية تُترجم فورًا إلى عجز مالي، وتأزم اجتماعي، وضعف في قدرة الدولة على الاستجابة.

هنا يصبح النفط هو الثروة العبء، فبدل أن تكون الثروة النفطية جسرًا للتنمية، تحولت إلى عامل تكريس للاعتماد وتعميق الأزمات، نتيجة عوامل ثلاثة هي (ضعف التخطيط الاقتصادي، وغياب سياسات واضحة لتنويع مصادر الدخل، وتدخل السياسة في إدارة الاقتصاد). وتنعكس هذه العوامل مباشرة على حياة المواطن، الذي يدفع ثمن سوء الإدارة وغياب الرؤية الاستراتيجية، لتتآكل ثقته بالدولة، وتزداد احتمالات التوتر الاجتماعي، خاصة عندما يُهدَّد الأمن والاستقرار، فتُفتح الأبواب أمام الفوضى والأفكار الهدّامة؛ وهنا تصير النقطة الأهم، وهي طريق الإصلاح، ضرورةً لا خيارًا.

 النهوض بالإصلاح الاقتصادي ليس مهمة بسيطة، بل هو أشبه بعملية جراحية دقيقة تحتاج إلى وقت وصبر وإرادة سياسية حقيقية، ويبدأ هذا المسار بخطوات مدروسة نجملها بما يلي:

1.    تبنّي خطة استراتيجية شاملةً القطاعات كافة.
2.    إقرار قانون مُلزِم للتنمية الاقتصادية، يمتد لعشر سنوات على الأقل.
3.    الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج.
4.    إعطاء دور حقيقي للخبراء في رسم السياسات والاستشارات.
5.    خلق بيئة داعمة للقطاع الخاص، وتشجيع الابتكار.

إن الدولة لا تُبنى بالثروات الطبيعية وحدها، بل بعقول منتجة واقتصاد متنوع قادر على الصمود أمام الأزمات. وصناعة مستقبل مستقر للعراق يجب ألا يرتبط بتقلبات السوق العالمية، بل بالإرادة السياسية والإصلاح الحقيقي، وبناء نموذج اقتصادي يضع الإنسان والتنمية في صلب أولوياته.