إسماعيل سيريني
كاتب
الكورد بين الفُرص الإقليميّة والتحوّلات العالميّة
"تحليل أكاديمي للموقف الكوردي في سياق خريطة الشّرق الأوسط الجديدة"
يَشهد الشّرق الأوسط في العقدين الأخيرين تحوّلات بنيوية عميقة، تمسّ توازنات القوة، وأنماط الصراع، وأدوار الفاعلين من الدول وما دون الدولة. وفي خضمّ هذه التحوّلات، برز الكورد بوصفهم فاعلًا سياسيّا وأمنيّا لا يمكن تجاوزه في معادلات الاستقرار والصراع الإقليمي.
تسعىٰ هذه الدراسة التحليلية إلى مقاربة الموقف الكوردي في المرحلة الراهنة، من خلال تفكيك الفُرَص والتحديّات التي أفرزتها التحوّلات الإقليمية والدولية، وذلك عبر ثلاثة متغيّرات رئيسة:
الوحدة الداخلية، والدبلوماسية الفاعلة، وبناء المصالح المشتركة وفق منطق الواقعية السياسية.
أولا: الوحدة الداخلية كمتغيّر حاسم في القوة السياسية..
تؤكّد نظريّات العلاقات الدولية، ولا سيّما الواقعية البنيوية، أن تماسك البنية الداخلية لأي كيان سياسي يُعدّ شرطا لازمًا لتحويل الموارد إلى قوة مؤثرة في البيئة الخارجية. وعليه، فإن الانقسام الداخلي لا يضعف القدرة التفاوضية فحسب، بل يفتح المجال أمام الفاعلين الخارجيين لاستخدام الخلافات الداخلية كأدوات ضغط أو احتواء.
في الحالة الكوردية، تمثّل الوحدة السياسية والمؤسساتية شرطا تأسيسيًا لبناء ثقة دَوْلية مستدامة. فالتعامل الدّوْلي لا يقوم على الاعتراف بالحقوق المجرّدة، بل على مدىٰ الاستقرار والقدرة على الالتزام السياسي.
إنّ توحيدَ الخطاب والقرار الكوردي يفرض واقعا جديدًا يُجبر القوىٰ الإقليمية والدَّوْلية على التعاطي مع كوردستان بوصفها شريكًا سياسيّا مستقرًا، لا ملفّا ظرفيّا قابلا للمقايضة.
ثانيا: الدبلوماسية الكوردية بين ردّ الفعل والاستباق..
في السياق الدَّوْلي المعاصر، لم تعد الدبلوماسية أداة تكميلية، بل غدت أحد محدّدات المكانة السياسية للدول والكيانات. ويبرز التحدي الكوردي هنا في الانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية استباقية تقوم على استشراف التحوّلات وبناء السيناريوهات.
يمكن تحليل الدبلوماسية الكوردية ضمن ثلاثة مستويات متداخلة:
- المستوىٰ المؤسسي: تطوير علاقات منهجية مع مراكز صنع القرار الدَّوْلية، عبر شخصيات تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على مخاطبة الفاعلين الدوليين بلغة المصالح لا العواطف.
- المستوىٰ الرمزي والقيمي: تقديم التجربة الكوردية بوصفها نموذجا نسبيّا للاستقرار، والتعددية، ومكافحة التطرّف، في بيئة إقليمية مضطربة، بما يعزّز الشرعية الأخلاقية والسياسية للقضية الكوردية.
- المستوىٰ المعرفي (الدبلوماسية الفكرية): تحويل الممثليات الكوردية في الخارج إلى مراكز تحليل وبحوث استراتيجية، قادرة على إنتاج خطاب علميّ يربط المصالح الكوردية بالتحوّلات الكُبرىٰ في النظام الدُّوْلي.
ثالثا: المصالح المشتركة ومنطق الواقعية السياسية..
تنطلق الواقعية السياسية من فرضية مركزية مفادها أن العلاقات الدَّوْلية تُبنىٰ على المصالح لا على السّرديّات التاريخية وحدها. وفي هذا الإطار، فإنّ الخطابَ القومي أو استدعاء مظلومية الماضي، على أهميتهما الرمزية، لا يكفيان لتأمين مكتسبات سياسية مستدامة.
تتمثّل المقاربة الأكثر فاعلية في ربط الوجود السياسي والمؤسساتي الكوردي بمصالح الأطراف الإقليمية والدَّوْلية، وهو ما يتجلّىٰ في:
- دبلوماسيّة الطاقة:
توظيف الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي لكوردستان كعامل استقرار يخدم أمن الطاقة الإقليمي والدَّوْلي.
- الشراكة الأمنية:
استمرار الدور الكوردي الفاعل في مكافحة الإرهاب، بما يجعل الكورد عنصرًا لا غنى عنه في معادلات الأمن الإقليمي.
- التكامل الاقتصادي الإقليمي:
بناء شبكات مصالح اقتصادية متبادلة مع دول الجوار، تُسهم في تقليل احتمالات الصراع وتحويل التوترات السياسية إلى فرص تعاون.
رابعا: وحدة المرجعية السياسية وأثرها في صناعة القرار..
تشير الأدبيات السياسية إلى أن تعدد مراكز القرار في القضايا المصيرية يُضعف القدرة على التفاوض ويشتّت الرسائل السياسية.
ومن هنا، تبرز أهمية وجود مرجعية سياسية موحّدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بحنكة وخبرة.
في هذا السياق، يمثّل الرئيس مسعود بارزاني أُنموذجًا للقيادة الرمزية والسياسية الجامعة، بالنظر إلى رصيده التاريخي، ومكانته الوطنية، وقدرته على مخاطبة الداخل الكوردي والخارج الدَّوْلي في آنٍ واحد. إنّ توحيدَ القرار تحت مرجعية معترف بها داخليّا وخارجيّا يُعدّ عاملا حاسما في تحويل الفُرَص الراهنة إلى مكتسبات استراتيجية طويلة الأمد.
تخلص هذه الدراسة إلى أن الموقع المستقبلي للكورد في خريطة الشرق الأوسط الجديدة يتوقف على قدرتهم في تحقيق ثلاثة شروط مترابطة: تماسك داخلي صلب، ودبلوماسية استباقية واعية، وربط ذكي للمصالح مع البيئة الإقليمية والدَّوْلية.
إنّ الانتقال من دور الفاعل المؤثر إلى دور صانع القرار لا يتحقق بالخطاب وحده، بل بإدارة استراتيجية واعية للفُرَص التاريخية قبل أن تتبدّد.