الحقوق الكوردية بين المعايير الإنسانية ومنطق الهيمنة المسلحة: مقاربة في العلاقات الدولية

الحقوق الكوردية بين المعايير الإنسانية ومنطق الهيمنة المسلحة: مقاربة في العلاقات الدولية
الحقوق الكوردية بين المعايير الإنسانية ومنطق الهيمنة المسلحة: مقاربة في العلاقات الدولية

تواجه المناطق الكوردستانية في شمال وشرق سوريا، الواقعة تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، تصعيداً عسكرياً خطيراً تقوده ميليشيات مسلحة مرتبطة بالحكومة السورية المؤقتة. ويعكس هذا التصعيد عودة مقلقة إلى منطق القوة والهيمنة المسلحة، في تناقض صارخ مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ولا سيما احترام حقوق الإنسان، وحماية التعددية، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.

ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الأوسع للقضية الكوردية في الشرق الأوسط. فالشعب الكوردي، بوصفه أحد أقدم شعوب المنطقة وأكثرها تجذراً في جغرافيتها، تعرض على مدى عقود طويلة لسياسات ممنهجة من التهميش والحرمان القومي في سوريا وتركيا وإيران. ولم يتمكن من انتزاع جزء من حقوقه القومية إلا عبر نضال طويل وتضحيات جسيمة، كما هو الحال في إقليم كوردستان العراق، الذي يمثّل اليوم نموذجاً متقدماً نسبياً للاعتراف الدستوري بالمواطنة المتساوية والحكم الفدرالي ضمن دولة متعددة القوميات.

وبعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية والشعارات السياسية، تظل المعايير الإنسانية المرجعية الأقدم والأكثر رسوخاً في تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. فالديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية الثقافية ليست مفاهيم طارئة أو مستوردة، بل هي نتاج تطور تاريخي طويل للوعي الإنساني، وتجسيد لمبدأ الاعتراف المتبادل والندية القانونية والأخلاقية بين البشر، بصرف النظر عن الدين أو القومية أو اللون أو المعتقد.

وتنطلق هذه القيم من قاعدة أخلاقية بسيطة تشكل جوهر الاستقرار المجتمعي: الاحترام المتبادل شرط للعيش المشترك. وإذا كان العرب يطالبون، وعن حق، بالاعتراف بقوميتهم وحقوقهم السياسية والثقافية، فإن هذا المطلب ذاته يفرض التزاماً موازياً باحترام القوميات الأخرى التي تشاركهم الجغرافيا والمصير، وفي مقدمتها الكورد، إلى جانب التعدد الديني والمذهبي من سنة وشيعة ودروز، بل وحتى اليهود، وفق منطق المواطنة لا الإقصاء.

ومن منظور العلاقات الدولية، فإن الصراعات القومية والدينية لا تتحول إلى أزمات مزمنة إلا حين تُدار بعقلية الإلغاء، لا بعقلية الاحتواء. فالصراع العربي–الفلسطيني، على سبيل المثال، لم يكن في جوهره صراعاً دينياً مع اليهود، بل مواجهة مع مشروع استعماري توسعي استغل الدين والهوية لتبرير سياسات الاحتلال، على غرار ما فعلته تنظيمات إسلامية سياسية حين وظّفت الإسلام كأداة للوصول إلى السلطة وبناء أنظمة هيمنة تحت شعارات دينية.

الكورد ليسوا جماعة طارئة أو هامشية في بنية دول الشرق الأوسط، بل يشكّلون مكوّناً تاريخياً أصيلاً، تمتد أرضهم وقوميتهم عبر سوريا والعراق وتركيا وإيران. ورغم استمرار حرمانهم من حقوقهم القومية الكاملة في عدد من هذه الدول، فإن تجربة إقليم كوردستان العراق تؤكد، من منظور الأمن الإقليمي، أن الاعتراف بالحقوق القومية لا يهدد وحدة الدول، بل يساهم في تعزيز الاستقرار السياسي، ويقلل من احتمالات النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية.

وعلى الرغم من الخلافات العميقة مع النظام السابق في العراق، فإن الوقائع التاريخية تسجّل أن العراق كان الدولة الوحيدة في المنطقة التي اعترفت رسمياً بالحقوق القومية للكورد ومنحتهم حكماً ذاتياً معترفاً به دستورياً. ولم يكن هذا التحول نتيجة منحة سياسية، بل حصيلة نضال طويل وتضحيات جسيمة، ما يعزز القاعدة المعروفة في علم السياسة: الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع ضمن توازنات القوة والشرعية.

في هذا الإطار، يكتسب المرسوم الجمهوري الصادر في 16 كانون الثاني/يناير 2026، والمعنون بـ «مرسوم حقوق السوريين الكورد»، أهمية سياسية وقانونية استثنائية. إذ يشكّل، نظرياً، أول اعتراف رسمي شامل بالهوية القومية والثقافية واللغوية للكورد في سوريا، من خلال إقرار اللغة الكوردية لغة وطنية، وإلغاء آثار إحصاء 1962، ومنح الجنسية للمحرومين منها، واعتبار عيد النوروز عيداً وطنياً، إضافة إلى تجريم التمييز والتحريض القومي.

ومن منظور القانون الدولي وحقوق الأقليات، يمثّل هذا المرسوم نقلة نوعية تستحق التقدير، ليس فقط سورياً، بل على المستوى العربي والإنساني، لما يحمله من انسجام مع مبادئ المواطنة المتساوية والتعددية الثقافية.

إلا أن الإشكالية الجوهرية تكمن في الفجوة العميقة بين النص القانوني والتطبيق العملي. فشرعية أي مرسوم أو التزام قانوني تقاس بمدى احترامه على الأرض. ولا معنى لأي اعتراف دستوري إذا تزامن مع عمليات عسكرية، وانتهاكات ممنهجة، ومحاولات لفرض الإرادة بالقوة، وتهديد الوجود الكوردي باسم الدين أو شعارات “وحدة الدولة”.

إن تضامن الكورد في مختلف أجزاء كوردستان مع إخوتهم في غرب كوردستان لا يمكن توصيفه، وفق منطق العلاقات الدولية، كعمل عدائي أو مشروع انفصالي، بل هو تعبير طبيعي عن التضامن القومي وحق الدفاع المشروع عن النفس، ورفض سياسات الإبادة السياسية أو الثقافية. وهو تضامن يستند إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها حق الشعوب في الحياة الكريمة، والحفاظ على هويتها، والمشاركة العادلة في إدارة شؤونها ضمن دول ديمقراطية تعددية.

إن مستقبل سوريا، كما مستقبل الشرق الأوسط عموماً، لن يُبنى بمنطق الميليشيات ولا بخطاب الإقصاء والهيمنة، بل عبر الاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، واحترام التعدد القومي والديني بوصفه مصدر قوة لا تهديداً للأمن القومي. وقد أثبت الكورد، تاريخياً، أنهم جزء من الحل لا من المشكلة، شريطة أن تُحترم حقوقهم، لا أن تُستباح، وأن يُنظر إليهم شركاء في الوطن لا خصوماً في السياسة.

وختاماً، فإن أي مشروع سياسي لا يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية محكوم بالفشل، وأي دولة تتجاهل تنوعها الداخلي إنما تزرع بذور صراعات مستقبلية لا تنتهي. ويبقى الاختبار الحقيقي اليوم ليس في إصدار المراسيم أو الخطابات، بل في وقف العنف، واحترام إرادة الشعوب، وترجمة القيم الديمقراطية من النصوص القانونية إلى واقع سياسي ملموس.