هل تفتح التحولات الجيوسياسية في المنطقة نافذة تاريخية أمام الكورد؟

هل تفتح التحولات الجيوسياسية في المنطقة نافذة تاريخية أمام الكورد؟
هل تفتح التحولات الجيوسياسية في المنطقة نافذة تاريخية أمام الكورد؟

يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة رسم الخرائط السياسية وموازين القوى. 
إن التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليس حدثاً عابراً في سياق صراع تقليدي، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي قد يعيد تشكيل بنية الإقليم لعقود مقبلة. وفي الوقت ذاته، تتسارع التطورات داخل سوريا، فيما تراجع الدول حساباتها الداخلية تحت ضغط الاقتصاد والأمن والتحالفات المتغيرة.
في خضم هذا المخاض التاريخي، لا يمكن للقضية الكوردية أن تبقى على هامش المعادلة، بل على العكس، قد تكون أمام واحدة من أهم نوافذها السياسية منذ قرن.
يعلّمنا التاريخ أن التحولات الكبرى تفتح المجال أمام إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. وعندما تنشغل الدول بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، تصبح أكثر استعداداً للنظر في حلول سياسية داخلية كانت مؤجلة، أو أُجلت عمداً.
لم يكن الكورد يوماً عاملاً طارئاً في معادلات المنطقة، لكنهم غالباً ما كانوا ضحية صراعات الآخرين أو رهائن لتوازنات إقليمية مغلقة. واليوم، ومع اهتزاز تلك التوازنات، يبرز سؤال واضح: هل سيكتفي الكورد بدور المتأثر بالأحداث، أم سيتحولون إلى فاعل سياسي يُحسن استثمار اللحظة؟
في إقليم كوردستان، تشكل خلال العقدين الماضيين نموذجٌ سياسي مختلف في بيئة مضطربة. فمنذ تثبيت وضعه الدستوري ضمن العراق بعد عام 2003، اعتمد الإقليم سياسة تقوم على الانفتاح، وبناء العلاقات المتوازنة، وتغليب لغة المصالح المشتركة على لغة الشعارات. لم تكن هذه المقاربة ضعفاً، بل شكلاً من أشكال القوة الناعمة. فقد أثبت الإقليم أنه قادر على أن يكون شريكاً أمنياً موثوقاً، وفاعلاً اقتصادياً مهماً، ونقطة توازن في لحظات الانقسام الحاد داخل العراق والمنطقة.
وفي سوريا، غيرت سنوات الصراع بنية الدولة والمجتمع. فقد نشأت إدارات محلية ووقائع سياسية لا يمكن محوها بقرار مركزي. وأي تسوية سياسية مقبلة لن تستطيع تجاهل مسألة اللامركزية وتوزيع السلطات. وبالنسبة للكورد في سوريا، فهذه ليست مسألة نظرية، بل تتعلق بضمان الاعتراف الدستوري بالهوية واللغة والتمثيل السياسي. إن التحولات الراهنة تفرض معادلة جديدة: لا استقرار دائماً من دون شراكة حقيقية بين المكونات، والكورد جزءٌ أساسي من هذه الشراكة.
أما في تركيا، فإن القضية الكوردية تمر بمرحلة مفصلية. فقد أظهرت التجارب السابقة أن المقاربة الأمنية وحدها لا تنهي الإشكال، كما أن التوتر المستمر يرهق الدولة والمجتمع معاً. وفي المقابل، كلما طرحت فكرة عملية السلام، برزت إمكانية بناء عقد سياسي جديد يقوم على الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية ضمن وحدة الدولة. إن سعي الكورد في تركيا نحو إعادة إحياء مسار السلام ليس تنازلاً، بل تعبير عن نضج سياسي. كما أن المطالبة بالاعتراف باللغة، وتعزيز الإدارة المحلية، وضمان المشاركة العادلة في الحياة السياسية، هي مطالب تدخل في صلب المعايير الديمقراطية الحديثة.
أما الحديث عن «فرصة تاريخية»، فلا يعني أن الطريق معبد أو أن النتائج مضمونة. فالتحديات والانقسامات الداخلية ما تزال عاملاً مقلقاً، كما أن بعض القوى الإقليمية تنظر بحذر إلى أي تطور في الملف الكوردستاني. لكن الفارق بين لحظة عابرة ولحظة تاريخية يكمن في طريقة التعامل معها. فإذا نجح الكورد في توحيد خطابهم السياسي حول مطالب واقعية قابلة للتحقق، وتبنّي لغة دستورية حقوقية بعيداً عن التصعيد العاطفي، وتقديم أنفسهم کشركاء في الاستقرار لا کمصدر للتهديد، فإنهم بسعيهم هذا سيحولون التحولات الإقليمية من مجرد ظرف خارجي إلى رافعة سياسية حقيقية.
قد تعيد التحولات الجارية في المنطقة رسم حدود النفوذ، لكنها قد تفتح أيضاً باباً لإعادة رسم حدود الحقوق. وإذا كانت دول المنطقة تعيد حساباتها الكبرى، فمن حق الكوردستانیین – بل من واجبهم – أن يعيدوا صياغة موقعهم في هذه المعادلة.
وختاماً نقول، إن التاريخ لا يمنح الشعوب فرصاً كثيرة، لكنه عندما يفعل، يميز بين من يقرأ اللحظة بعقل بارد وإرادة موحدة وبين من يكتفي بانتظار ما ستقرره القوى الأخرى. 
فهل نحن مستعدون لاقتناص الفرصة التاريخية؟