مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
أمنُ ما بَعد العاصفة.. "برميل بارود" ينتظر فتيل آذار
منذ عام 2011 وسوريا لا تتوقف عن إعادة تعريف معنى الأزمة، لكننا اليوم في مطلع 2026، نقف أمام مشهدٍ مختلف تماماً. لم تعد الحرب مجرد قذائف تسقط من السماء، بل أصبحت صراع إرادات، وسباقاً محموماً مع الزمن قبل أن ينفجر لغم آذار الموقوت "موعد تنفيذ الاتفاقيات المبرمة واندماج قسد ضمن الجيش السوري".
في الحسكة ودير الزور، الناس هناك لا تشغل بالها كثيراً بهوية العلم الذي سيرفرف فوق السد، بقدر ما ينهشها الرعب من النزوح الكبير القادم "المحتمل"، التحركات العسكرية الأخيرة لا تبدو للمواطن هناك كمناورة تأمين، بل كطبخة سياسية قد تحترق في أي لحظة، والقلق الحقيقي هو أن تتحول هذه المناوشات إلى حرب شاملة تلتهم ما تبقى من استقرارٍ هش، وتجعل من مدن الشمال ساحة لتصفية حسابات كبرى بين دمشق وأنقرة وواشنطن.
أما عن السجون التي تضم قيادات ومقاتلين من تنظيم داعش الارهابي، فهذه هي النقطة الاكثر إثارة للقلق والجدل، هناك شعور سائد في الشارع بأن الأشباح قد عادت، ففتح السجون "سواء كان مقصوداً كرسالة سياسية أو نتيجة لضعف السيطرة" يعني أن سوريا قد تنجرُّ مجدداً إلى دوامة الإرهاب الممنهج، ويهدد بعودة التفجيرات وعدم الاستقرار للمدن الكبرى، والمواطن في دمشق وحلب بات يتلفت حوله في الأسواق، يخشى أن يكون الأمان الذي وُعد به مجرد حبر على ورق، وأن خلايا التنظيم الارهابي النائمة قد استيقظت لتنتقم من الجميع.
اقتصادياً وعلى سيرة الاستقرار، هناك من يردد جملة "استعدنا حقول النفط.. مبروك، لكن أين المازوت؟". الاقتصاد السوري اليوم ليس في أزمة، بل هو في حالة احتضار حقيقي، الأسعار وصلت لمرحلة تجعل ربطة الخبز حلماً بعيد المنال، الناس جاعت، والجوع لا يعرف التحليلات السياسية ولا الصبر الاستراتيجي، فإذا لم تنعكس السيادة على الموارد على مائدة المواطن فوراً، فنحن أمام انفجار اجتماعي لن توقفه كل التحصينات العسكرية.
أما عن آذار المقبل، والتي اعتبرها شخصيا ساعة الصفر، من المفترض أن تندمج "قسد" داخل وزارة الدفاع السورية، وهناك مخاوف كبيرة ايضاً، وفجوة هائلة بين عقيدة المقاتل في قسد وعقيدة الجندي في الجيش السوري الحالي، فدمج العقيدتين في جهاز مركزي واحد مثل وزارة الدفاع، يشبه خلط الزيت بالماء، خاصة وان ما شاهدناه في العمليات الاخيرة، عناصر في الجيش السوري يحملون شعار تنظيم داعش الارهابي ولا يحملون الجنسية السورية، ويتصرفون مثلهم بوحشية "القتل الوحشي ورمي جثة مقاتلة كوردية من فوق مبنى"، وهذا قد يؤدي إلى انفجار من الداخل بدلاً من الوحدة، مما يحول وزارة الدفاع إلى ساحة صراع بدلاً من صمام أمان.
وفي حال فشل هذا الاندماج في آذار، فنحن أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما طلاق بائن بين دمشق ومناطق شمال شوق سوريا يقود لتقسيم فعلي، أو صدام دموي سيعيد سوريا سنوات إلى الوراء، الجميع يراقب آذار بترقب، لأن فشله يعني أن كل ما بُني في 2025 سينهار كبيتٍ من ورق.
باختصار، سوريا اليوم في عنق الزجاجة، لكن الزجاجة هذه المرة مليئة بالبارود، الأمن مهدد بخريجي السجون، والسيادة رهينة ميليشيات وفصائل ضمن الجيش السوري لا تعرف الانتماء، والبطون الخاوية لم تعد تملك ما تخسره، فإما أن ينجح آذار في تأمين الخبز والأمان، أو أننا سنستيقظ على صخب الرصاص وهو يغطي على صرخات الجوع، لتبدأ دورة ضياع جديدة لا ترحم أحداً.