لنجة دزيي
سياسية كوردية
الكورد… قضية حقوق لا صراع شعوب
منذ فجر الرسالات السماوية، أكّد القرآن الكريم أن التنوّع الإنساني سنّة إلاهية، لا سببًا للصراع ولا ذريعة للهيمنة. يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13).
ترسي هذه الآية قاعدة أخلاقية وإنسانية واضحة مفادها أن اختلاف الشعوب لم يُخلق للتناحر أو الإقصاء، بل للتعارف والتكامل وبناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل، كما تحسم معيار التفاضل بين البشر، فلا يكون بالعرق أو اللغة أو الانتماء القومي، وإنما بالقيم والعمل الصالح.
في هذا السياق، يؤكد الكورد أنهم لم يكونوا يومًا أعداءً لأي شعب، ولا يحملون كراهية تجاه العرب أو الترك أو الفرس أو غيرهم. فالقضية الكوردية لم تكن في جوهرها صراعًا مع الشعوب، بل كانت ولا تزال قضية حقوق في مواجهة أنظمة استبدادية أنكرت وجود الشعب الكوردي، وصادرت إرادته، ومارست بحقه سياسات الإقصاء والقمع، وصولًا إلى القتل الجماعي والإبادة.
وقد عبّر الأديب والسياسي السعودي الراحل غازي القصيبي عن خطورة خلط الصراعات السياسية بالعلاقات بين الشعوب بقوله:
«دعوا الشعوب ولا تزجّوا بها في الخلاف؛ فالشرخ بين الزعامات يسهل رأبه، أمّا الشرخ بين الشعوب فيورث حقدًا أسود تتوارثه الأجيال».
إن مطالب الكورد لم تتجاوز يومًا إطار العدالة والحقوق المشروعة. فهم لم يطالبوا بالهيمنة على أحد، ولم يسعوا لانتزاع حقوق غيرهم، بل طالبوا بالاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية، وضمان حياة حرّة كريمة قائمة على المساواة واحترام الكرامة الإنسانية. غير أن تحويل هذه المطالب المشروعة إلى تهديد، أو تصوير القضية العادلة بوصفها خطرًا، كان أحد أبرز مظاهر الاستبداد السياسي الذي عانت منه المنطقة لعقود طويلة.
إن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقمع ولا بإنكار الآخر، بل بالاعتراف المتبادل، واحترام الحقوق، واللجوء إلى الحوار والقانون كوسيلتين لحل النزاعات. والكورد، بوصفهم جزءًا أصيلًا من نسيج هذه المنطقة، يطرحون قضيتهم اليوم باعتبارها دعوة للعدالة والسلام، لا بدافع الضعف، بل انطلاقًا من إيمان راسخ بأن العدالة وحدها هي الطريق الأكثر أمانًا نحو الاستقرار.
إن القضية الكوردية، في جوهرها، ليست موجهة ضد أحد، بل هي نداء من أجل الحقوق المشروعة والقيم الإنسانية المشتركة، ومن أجل مستقبل تتعايش فيه شعوب المنطقة بكرامة وسلام، في ظل احترام متبادل للحقوق دون تمييز.