كُوبَانِي.. كَلَا دَشْتَا سِرُوجْ: الرُّوحُ الَّتِي لَمْ تَكْسِرْهَا المُؤَامَرَات

"Kela Deşta Sirûcê û Parêzvanên Keziyên Jinan "مِنْ رُمْحِ "حَمِّ مُوسْكِي" إِلَى بَنَادِقِ 2026

كُوبَانِي.. كَلَا دَشْتَا سِرُوجْ: الرُّوحُ الَّتِي لَمْ تَكْسِرْهَا المُؤَامَرَات
كُوبَانِي.. كَلَا دَشْتَا سِرُوجْ: الرُّوحُ الَّتِي لَمْ تَكْسِرْهَا المُؤَامَرَات

في "كوباني"، لا ينمو القمحُ وحده؛ بل تنمو الملحمةُ والبطولةُ في سبيكةٍ واحدة. هنا، حيث تتماهى الجغرافيا مع الروح، لا تُقاسُ المسافاتُ بالكيلومترات، بل بصدى الحناجر التي لم تخرسها عواصفُ القرون. كوباني ودشتي سروجة ليستا مجرد اسمين على خارطة، بل هما رئتان لجسدٍ واحد؛ إذا استنشقت إحداهما رائحة البارود، زفرت الأخرى زفير الكرامة. إن ما يشهده العالم اليوم، ونحن في عام 2026، على جبهات المواجهة، ليس إلا فصلاً جديداً من ملحمةٍ ضاربة في القدم، بطلها "الإنسان القلعة" الذي لا يهاب جحافل العدو مهما تكالبت.

حناجر القوقاز وصوت "شاكرو": حماة الجدائل

لم يكن صدى ثورة الأخوين حم وكرعي موسكي حبيس السهول، بل طار كالعقاب ليصل إلى جبال القوقاز وأرمينيا وجورجيا، محفوراً في ذاكرة "الدنغبج"  المغنيين الذين حملوا الجرح الكردي وطافوا به الآفاق. وحين صدح صوت "شاكرو" (Şakiro) العظيم، لم يكن يغني لمجرد الطرب، بل كان يوثق هوية أمةٍ حين وصفهم بـ "قلعة دشتي سروجة وحافظي جدائل النساء".

هذه الكناية ليست مجرد مديحٍ إنشائي، بل هي فلسفةُ وجود؛ فـ "حماية الجدائل" تعني صون العرض، الأرض، والرمزية القومية من الدنس. الأخوة موسكي

 (حم وكرعي موسكي) لم يكونوا مجرد زعماء عشائر، بل كانوا سدنة الكرامة الذين رفضوا أن تمس يد "الجابي" العثماني كبرياء أهاليهم في دشتي سروجة. لقد حولوا هذا السهل المكشوف إلى "قلعة" معنوية، وأثبتوا أن الحصون الحقيقية تُبنى في الصدور لا بالحجارة الصماء.

الإنسان القلعة: فلسفة الدفاع في الأرض المكشوفة

لطالما واجهت كوباني ودشتي سروجة تحدياً جغرافياً يتمثل في انبساط التضاريس، مما يجعلها عسكرياً "أرضاً مكشوفة" في حسابات الجيوش النظامية. إلا أن التاريخ يحفظ للأخوين حم وكرعي موسكي ابتكارهما لمفهوم "الإنسان القلعة"؛ ففي مواجهة الجحافل العثمانية وغزوات المرتزقة، لم يبحث هؤلاء القادة عن جبالٍ تداريهم، بل حولوا صدور مقاتليهم في دشتي سروجة إلى أسوارٍ حصينة.

هذه الفلسفة هي ذاتها التي تجسدت في ملحمة 2014؛ فالعالم الذي وقف مذهولاً أمام صمود مدينة صغيرة أمام أعتى التنظيمات الظلامية، لم يدرك أن المقاتل في كوباني لا يدافع عن "حجر"، بل يستحضر روح "كرعي موسكي"؛ ذلك الذي لقب بقلعة السهل لأن إرادته كانت هي التضاريس الحقيقية التي حطمت أوهام الغزاة فوق أديم دشتي سروجة.

رفض "الباشوية" وعناد الأرض الأصيلة

في لحظة فارقة، حاول الباب العالي في إسطنبول كسر هذا العناد بـ "الإغراء السياسي"؛ عُرضت "الباشوية" على كرعي موسكي، عُرضت الألقاب والذهب مقابل بيع دماء الشباب ليكونوا مرتزقة في حروب السلطان، ومقابل دفع الضرائب التي تُذل الأعناق. لكن الرد جاء مدوياً كصاعقةٍ مزقت سكون دشتي سروجة: "لا".

تلك الـ "لا" التاريخية هي ذاتها التي تتردد اليوم في 2026. إن الفصائل المرتزقة التي تحشدها القوى الإقليمية اليوم، من "حمزات وعمشات"، ليست إلا نسخة ممسوخة من تلك الجحافل التي أراد العثمانيون تسليطها على رقاب الأحرار قديماً. هؤلاء المرتزقة يبيعون ولاءهم لمن يدفع، بينما أحفاد حم وكرعي على الجبهات اليوم يقاتلون بجينات "حماة الجدائل"، مدركين أن الأرض التي رفض أجدادهم مقايضتها بلقب "باشا"، لن يسلموها اليوم لمقاولي الحروب وتجار الأوطان.

تراجيديا "نيزب" والرمح الذي انكسر ولم ينهزم

في عام 1839، كانت منطقة نيزب مسرحاً لصراعٍ إمبراطوري، وفي أتون ذلك الصراع، كانت اتفاقية لندن 1840 هي الخنجر الذي غُرس في ظهر الطموح المحلي. تآمرت القوى الكبرى لتثبيت أركان الظلم، وتمت التضحية بدماء المقاتلين في دشتي سروجة وكوباني على مذبح المصالح الدولية.

هنا بلغت التراجيديا ذروتها: انكسر رمح حم موسكي. انكسر الرمحُ في المعركة، لكنه لم ينكسر في الحكاية. كان انكسار الرمح رمزاً للخذلان الذي تعرض له الكرد من "الحلفاء" عبر التاريخ، وهو الدرس الذي استوعبته كوباني جيداً. الخيانة الدولية ليست قدراً محتومأ، بل هي اختبارٌ للصلابة الذاتية؛ فقد تعلم الأحفاد أن الرمح المكسور يُجبر بالاعتماد على الذات، وأن صمود كوباني الأسطوري هو الرد التاريخي المؤجل على "اتفاقية لندن" وكل ما تلاها من مؤامرات حيكت ضد دشتي سروجة.

2026: الوفاء للدم القديم

اليوم، ونحن نرقب الجبهات، نرى في وجوه المقاتلين والمقاتلات ملامح الأخوين موسكي بوضوحٍ مذهل. إن الثورة التي انطلقت من هذه الجغرافيا واتخذت من كوباني أيقونةً عالمية، هي ثورةٌ عصية على الموت لأنها سكنت "الحناجر" قبل أن تسكن "المتاريس".

إن محاولات "الحمزات والعمشات" ومن يقف خلفهم لتغيير ديموغرافية المنطقة أو كسر إرادتها، هي محاولات تافهة أمام عظمة التاريخ الذي يفوح من تربة "دشتي سروجة". كوباني ليست مجرد إحداثيات، إنها "العناد الكردي" في أبهى تجلياته؛ هي الأرض التي علمت العالم أن المرتزقة عابرون وزائلون، وأن "حماة الجدائل" في دشتي سروجة باقون بقاء الفرات وعظمة الجبال.

الخاتمة: الرمح الذي لا يقبل الانكسار

​تنتهي حكاية الأجداد بلحظة تراجيدية، وهي انكسار رمح حم موسكي. لكن هذا الانكسار لم يكن نهاية لثورة، بل كان إعلاناً عن ولادة هوية. إن الرمح الذي انكسر في القرن التاسع عشر تحول اليوم إلى آلاف الرماح في يد المقاتلين والمقاتلات الذين يذودون عن هوية كوباني وسروج.

​في عام 2026، ومع استمرار التهديدات ومحاولات الحصار، يثبت أحفاد حم وكرعي أن "قلعة السهل" لا تزال قائمة. إن كوباني لم تكن يوماً مجرد مدينة، بل هي بداية الثورة ورمز الوجود الأصيل الذي يفند كل روايات الهجرة أو التغيير الديموغرافي. فمن يملك "دشتي سروجة" بقلبه وتاريخه، لا يمكن لأي جحافل، مهما تعاظمت، أن تكسر رمحه من جديد.