الشرق الأوسط على مفترق الطريق: الحكمة والقيادة في مواجهة الأزمات

الشرق الأوسط على مفترق الطريق: الحكمة والقيادة في مواجهة الأزمات
الشرق الأوسط على مفترق الطريق: الحكمة والقيادة في مواجهة الأزمات

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع التحولات الأمنية، في ظل تصعيد متسارع بين الحكومات الشرعية والقوى المتصارعة، وتراجع مساحات التفاهم الإقليمي. هذه التطورات لا تهدد استقرار الدول فحسب، بل تمسّ مصير الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلات إقليمية ودولية معقّدة.

جهود قيادية في لحظة حرجة

في خضمّ هذا المشهد المضطرب، تبرز الجهود السياسية عالية المستوى التي يقودها السيد مسعود بارزاني، والسيد نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان، والسيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم، من خلال تحركات دبلوماسية واتصالات مباشرة مع شخصيات دولية وإقليمية فاعلة. ومن أبرز هذه الجهود لقاء السيد مسعود بارزاني مع قداسة بابا الفاتيكان، إلى جانب الاجتماع الذي جمع توم باراك ومظلوم عبدي في أربيل مع القيادة الكوردية، في إطار تنسيق سياسي يعكس ثقل أربيل كمركزٍ للحوار وصناعة التوازنات الإقليمية.

السيد بارزاني: الحكمة في أعلى تجلياتها    

يُجسّد السيد مسعود بارزاني نموذج القيادة الحكيمة في أكثر اللحظات تعقيدًا، كما تجلّى ذلك في لقائه مع قداسة بابا الفاتيكان، حيث نقل القضية الكوردية، ولا سيما معاناة الكورد في سوريا، إلى أعلى مرجعية أخلاقية ودينية في العالم. ولم يكن هذا اللقاء بروتوكوليًا فحسب، بل حمل رسالة إنسانية وسياسية واضحة مفادها أن القضية الكوردية هي قضية عدالة وحقوق مشروعة، لا نزاعًا عابرًا أو ظرفيًا.

وقد أكّد السيد بارزاني في أكثر من موقف استعداده للسير مع أي اتفاقية أو مسار سياسي يخدم مصالح الكورد، ويحفظ كرامتهم وأمنهم، وهو نهج عملي ترجمه عبر تحركات سياسية مدروسة، وضغوط دبلوماسية متواصلة، وجهود إنسانية مستمرة.   

كما قال: "نحن نقوم بكل ما نقدر عليه لنقل مشاهدات الأزمة ومعاناة إخوتنا الكورد في روجآفا إلى العالم. "

ويعكس هذا الدور حكمة السيد مسعود بارزاني، ويؤكد مكانته بوصفه صمّام أمان للقضية الكوردية في واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخ المنطقة، حيث شدّد بالقول:

" القضية الكوردية لا تُحمى بالشعارات، بل بالحكمة والعمل، وحماية الإنسان أولًا". 

تعارض المصالح… وتعقيد المشهد

كثيرًا ما تعيق مصالح دول المنطقة والقوى الدولية مسارات الحل، وتضع الشعوب أمام خيارات قاسية. فغالبًا ما تُدار الأزمات بمنطق النفوذ لا العدالة، وبموازين القوة لا بمصالح الاستقرار طويل الأمد، الأمر الذي يجعل الحذر السياسي ضرورة وجودية، لا ترفًا فكريًا.

الحكمة في الخطاب والسلوك

لقد علّمتنا التجارب السابقة أن الانجرار إلى خطاب الكراهية يدمّر المجتمعات من الداخل. فلا يمكن النظر إلى أي إنسان—عربيًا كان أم تركيًا أم من أي قومية أخرى—بوصفه عدوًا بالفطرة. فقد عاش أبناء المنطقة معًا، وقدموا أجمل نماذج التعايش حين كانت الإنسانية أسمى من السياسة.

ماذا نقول اليوم… وماذا نفعل غدًا؟

سوريا: المطلوب حماية الوجود المدني، وتجنّب أي خطوات قد تُستغل لتبرير العنف أو الإقصاء. فالحل يكمن في الاعتراف بالشراكة الوطنية، وضمان الحقوق ضمن إطار دولة تحترم التعددية وتكفل المواطنة المتساوية.

تركيا: لا يزال الملف الكوردي رهينة التوترات السياسية والأمنية، ويبقى الحوار الطريق الأقل كلفة والأكثر جدوى. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الاعتراف المتبادل، والبحث عن حلول سياسية مستدامة وشاملة.

العراق: يمثّل إقليم كوردستان ركيزة أساسية للاستقرار الوطني. إن نجاح العلاقة بين أربيل وبغداد، على أساس الدستور والشراكة الحقيقية، ينعكس إيجابًا على العراق كله، في حين أن أي إضعاف لهذا التوازن يفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي خطير.

التظاهر المسؤول والحكمة في التعبير

إن التعبير عن الموقف حقٌّ مشروع، غير أن تحويله إلى فعل غير محسوب قد يضرّ بالقضية أكثر مما يخدمها. وسيبقى إقليم كوردستان أرضًا للسلام والمحبة، وموطنًا مفتوحًا لكل الأديان والقوميات دون استثناء، وهي قيمة تمثّل أحد أعمدة قوته التاريخية والأخلاقية.

خاتمة: رسالة إلى شباب كوردستان في الداخل والخارج

إلى شباب كوردستان، في الداخل والمهجر، دمعت أعيننا ونحن نرى غيرتكم الصادقة على ضفيرة بنت كوردية، واعتزازكم بعلم كوردستان، لكن ما تنتظره كوردستان منكم اليوم هو الحكمة. فالحكمة ليست تراجعًا، بل شجاعة، وليست صمتًا، بل وعيٌ باللحظة. فالأوطان لا تُحمى بالغضب وحده، بل بالعقل، وضبط النفس، وحسن الاختيار.

كونوا صوت الحق من دون أن تتحولوا إلى وقودٍ لصراعات الآخرين، واحملوا علم كوردستان عاليًا في السلوك، والخطاب، والمسؤولية. وسيبقى علم كوردستان شاهدًا تاريخيًا على مسيرة نضال طويلة، رُفع بدماء الشهداء قبل أن يُرفع بالأيدي، ورمزًا لوطنٍ كُتب اسمه بالصبر والتضحيات قبل أن يُكتب بالحروف.