ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
كوردستان التي لا تُقصف بياناتها
في خضم الزلازل الجيوسياسية التي تضرب الشرق الأوسط اليوم 11 مارس 2026 حيث أصبحت سماء المنطقة مسرحاً للمواجهات المباشرة يبرز إقليم كوردستان كحالة دراسية استثنائية في علوم الأمن القومي الحديث لعقود كانت الجغرافيا هي قدر الكورد وحصنهم لكن في زمن الدرونات السيادية والصواريخ الباليستية العابرة للحدود تيقنت القيادة في أربيل أن الجغرافيا المادية لم تعد كافية لتوفير الأمان المطلق وهنا تتجلى الرؤية بعيدة المدى لرئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني الذي لم يقرأ المستقبل كـ احتمالات بل صاغه كـ بنية تحتية سيبرانية صلبة أصبحت اليوم هي خط الدفاع الأول عن كيان الإقليم واستقراره.
إن العبقرية السياسية التي انتهجتها الكابينة التاسعة تحت إشراف السيد مسرور بارزاني تكمن في إدراكها المبكر بأن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بمساحة الأرض أو عدد الثكنات بل بمدى القدرة على تشفير الدولة وتحويلها إلى كيان رقمي منيع. عندما أطلق رئيس الحكومة مشروع حسابي (MyAccount) الذي نجح بحلول مارس 2026 في دمج أكثر من 850 ألف موظف ومواطن في المنظومة المصرفية لم يكن الهدف مجرد إجراء إداري بل كان بناء استقلال مالي هيكلي يحمي الاقتصاد الكوردي من التبعات الجيوسياسية للصراعات ومع نضوج منصة E-Psule وتعميم الأرشفة الرقمية لـ 1.5 مليون سجل رسمي اكتملت حلقة السيادة الرقمية حيث أصبح الاقتصاد الكوردستاني يتحرك عبر شبكات مؤمنة بنظام (ISO) العالمي مما قلل الاعتماد على السيولة النقدية التي تعد أول ضحايا النزاعات المسلحة وحروب الاستنزاف.
هذه الحصانة التكنولوجية جعلت من إقليم كوردستان دولة سحابية قادرة على العمل والخدمة حتى وإن كانت الأرض تحت النيران.
فبينما تحاول القوى الإقليمية الضغط على الإقليم عبر التهديدات العسكرية تكتشف أنها تواجه نظاماً مؤسساتياً مرقناً بالكامل بيانات المواطنين السجلات العقارية والمنظومة الضريبية كلها محفوظة في مركز البيانات المتطور (Data Center) الذي يعمل وفق معايير (Tier III) العالمية وهو ما يضمن استمرارية الأعمال الحكومية (Business Continuity) حتى في حالات الكوارث الحربية هذا التوجه حوّل الإقليم من هدف جغرافي سهل المنال إلى لاعب سيبراني يمتلك مفاتيح استقراره في خوادم مشفرة لا تطالها لغة التهديد التقليدية إن الرؤية التي ركزت على تحويل أربيل إلى مدينة ذكية كانت في جوهرها بناءً لـ قبة حديدية رقمية تضمن استمرارية وظائف الدولة وتجعل نظامها القومي يتمتع بـ مرونة سيبرانية (Cyber Resilience) تتفوق على المنظومات التقليدية المجاورة.
إن ما يمتلكه إقليم كوردستان اليوم يتجاوز بمراحل التصورات الكلاسيكية للأمن فالإقليم لم يعد مجرد مساحة جغرافية وسط صراع الكبار بل أصبح قلعة رقمية محصنة بذكاء استباقي نادر. حين يندهش المراقبون الدوليون وصناع القرار اليوم من صمود كوردستان وقدرتها على إدارة تدفقاتها المالية وخدماتها الحيوية في ذروة الانفجار الإقليمي فهم يكتشفون الحقيقة التي صاغتها أربيل بصمت: إن الجبال قد توفر مخبأً للمقاتلين لكن السيادة الرقمية هي التي توفر البقاء للشعوب. بفضل هذا النهج يمتلك إقليم كوردستان اليوم خطوط أمان غير مرئية تجعل من محاولات إخضاعه رهاناً خاسراً فالعالم قد يستطيع حصار الطرق لكنه يقف عاجزاً أمام دولةٍ تسكنُ في السحابة وتتحركُ بعقلٍ رقميٍ لا يكسرهُ الرصاص لتتحول رؤية بارزاني إلى مانشيت عريض للمستقبل: السيادة تُصان بالكود بقدر ما تُصان بالبارود.