اني لأعرف الموت في وجوه بني عبدالمطلب
هذه الجملة مستعارة و منسوبة لحدث ورد في روايات عن تاريخ المجتمع الاسلامي بعد جيل من نشئته، كتبوا ان قائلها هو العباس بن عبدالمطلب، واستعارتها في هذا المقال هي استعارة من خبرة قديمة لحدث مبجل لخبرة معاصرة تخص حدثا مقدماته تشير الى خواتمه المؤلمة، لكنها تختلف هنا عن المعنى الذي قاله صاحبها حينما توقع فجيعة و ما يلحقها من تبدلات لم يسلم منها المجتمع الاسلامي الاصيل حتى لمّا كان قريبا من ضياء النبوة.
الجملة- إن صح انها قيلت- التي اطلقها صاحبها تظهر وعيه بمجتمعه، مضافا اليه فراسة و حفظ علامات.
ان العقائد السليمة لا تكفي ان تكون وحدها بلا سلوك بمقتضاها، ليس هذا من العقل الناضج في شيء، فتعطيل النص او حرفه يضطرد في ارقام خسارته كلما ازداد العاملون به، فكيف ان شرعت جماعة بذلك؟
ان نظاما سياسيا حاكما، يخالف عقيدته التي تنص على العدالة، ويعيد المخالفة مع مواد دستوره التي تتحرى العدالة، انما يقوم بتخريب للرعية بثلاث درجات، ادامة تخريب سابق و اجتراح تخريب حاضر ينخر بين البطء و السرعة حياة الاجيال، و يلقي بتركة مخربة للمستقبل.
مثل هذا النظام الذي لو تم تشريحه لكان بمثابة قوى يمكن الجزم بقصور بصيرتها حيث انها لا تدرك معنى تبدل القوة و طرق المواجهة مع دول كبرى تضع شروطا وتفرض التزامات ضمن الاداء الدولي، لا مجال فيها للمخاتلة و التملص و الاحتيال، اذ ان العقل الحاكم لن يكون مكتوبا له الاستمرار اذا ما حامت حوله شبهات تركزت الى الاتهام و الادانة بتهديد النفوذ الخاص بالقوى الكبرى، فإن استمر فبقلق و جهد، لكنهما قلق و جهد مضاعف اذا ما كان مواطنو ذلك النظام قد ادركوا انهم قد تم وضعهم ضمن الخسارات.
قيل في نصح احد الخلفاء الفاطميين بمصر يوما: ان دوام السلطان من دوام حفظ الرعية، وان الرعية اذا ما اخذت حقها و لمست العدالة و الكرامة، فهي منبت للعمران و مجلبة للخير.
ان كان الحكم طموحا مشروعا فليس من مشروعيته ان يكون خائنا للامانة، فالامانة و المقدرة مقدمان على طموح فرد او جماعة في الحكم.
عملنا كثيرا و منذ دخلت حركتنا الكوردية في صد مشروع السلطة المطلقة في افهام الحاكم اخطاءه و خطيئاته بحق رعاياه، فإن اختار ان يكون موظفا عند شعبه او مجموعة شعوب تخضع لقانونه، فلابد ان يكون قانونه عادلا يتساوى فيه الجميع، وان اختار ان يكون زعيما، فالسؤال هو: اخلق الناس زعامته، ام اختلقها هو لنفسه، وفي كل الحالين ففرض الزعامة لا ينجح ان لم يقترن بالعدل و الخير و الايثار، واي فرض لاي شيء دون حكمة حسنة لن تكون خاتمته محمودة الاثر، و يصدق ذلك حتى على الاديان اذ يصف شاعر ذلك بالقول:
من جاء للاسلام بالسيف مُجْبرا
لا ينتهي عقباه الا بمرتدِّ.
ان الذين يرون في انفسهم ان النظام الديمقراطي قد تم فرضه عليهم، و انهم يعجزون عن قبوله، وان قبوله لا يوازي مكاسبهم، سيكون عليهم مواجهة حسابات اكبر و اعقد، حسابات المتضرر من اداء الفريق المكلف برعاية مصالح الشعب، تخص الحقوق في المواطنة، اقتصادا و امنا و سلامة حاضر و مستقبل، و حسابات قوى عظمى قد لا يطول صبرها على الاداء الذي تظهر مساوؤه و لا تخفى، اذ ان قاعدة البيانات الدولية في التفاوت بين نتائج عمل نظامين في كل دولة، هي مادة اساس في المواجهة، وهي كفيلة بتحريك الجبهات ضد الانظمة المستهدفة.
ان شعوبنا تعيش تحديات تزداد مخاطرها اضعافا مضاعفة بسبب ذاتي لا يريد القائمون بالعمل الرسمي و الفارضون لانفسهم على القرار مواجهة حقيقة اعمالهم به.
لا يصح و لن يصح و لم يصح اساسا ان يعتقد اي مسؤول ان دعاية سياسية لنفسه او لنظامه ستكون مقبولة او مأخوذ بها ان كانت تفتقر للمصاديق على ارض الواقع، و لا يصح و لن يصح و ما صح ابدا ان معادلات العلاقات مع الاسرة الدولية وهي نفس الاسرة التي ازالت انظمة كبرى في المنطقة، بإنقلابات او ازاحة امنية او سياسية بالجبر او بالحرب، انها معادلات تملك نفس العقلية الضيقة التي تظهر من قسم من الحاملين للعنوان السياسي يعتقدون بسلامة موقفهم او احتمالية دوامهم لا لشيء الا لإحسانهم التصريح بلا عمل موثق يبعث على الثقة بمنجزاتهم للناس لا لأنفسهم.
ان قاعدة الاقتصاد تقوم على عامل غير أمين هو النفط، و منطقة الوجود الجغرافي يجب ان تكون سليمة السياسة لا اسيرة المحاور، و العمل الدولي يختلف عن الشعار العقائدي و الحزبي، و الاقتصاد كما قيل( يحرك كل علة).
بقي ان نختم بالاستعارة مع الفارق و نشرح الاثنين مع الفارق ايضا، فقد قيل ان النبي لمّا افاق من مرضه الذي رحل فيه، سأل الناس الامام عليا كرّم الله وجهه: كيف اصبح النبي؟
فقال: بحمد الله انه بخير.
وكان العباس عم النبي واقفا، فقال: اني لأعرف الموت في وجوه بني عبدالمطلب.
قالوا ان عم النبي فهم ان الامور ستكون بعد النبي على غير ما كانت عليه على ايامه، و قد كان و انشطرت الامة و حدث احداث كبرى و لكل حدث جمهور و مبررون و مهاجمون و مُهاجمون.
واما الاستعارة، و مع الفارق ايضا، فإننا بخبرتنا نعرف من الوجوه و الاداء ما تحمل الايام بعد هذا المرض الذي يجري الاصرار على اصابة العراق به.