د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
الانفتاح الغربي على دمشق ومستقبل الكورد في غرب كوردستان
تشهد الساحة السورية في المرحلة الراهنة تحولات ملحوظة في مواقف عدد من الدول الغربية، حيث يبرز اتجاه متزايد نحو إعادة الانفتاح السياسي والدبلوماسي على الحكومة السورية، بعد أكثر من عقد من القطيعة والعقوبات. ويأتي هذا التحول في سياق إقليمي ودولي متغير، تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وأزمة اللاجئين، إضافة إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الدولية في ظل صراعات عالمية أوسع.
غير أن هذا الانفتاح، الذي يقدم غالباً بوصفه مقاربة واقعية لإدارة الأزمة السورية، يثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول مستقبل القضايا غير المحسومة في البلاد، وفي مقدمتها القضية الكوردية وحقوق الكورد في غرب كوردستان.
من منظور سياسي واقعي، يمكن فهم هذا التحول الغربي بوصفه نتيجة مباشرة لفشل السياسات السابقة في إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة في دمشق. فقد انتقلت العديد من العواصم الغربية من خطاب “التغيير السياسي” إلى نهج “احتواء الأزمة”، سعياً إلى الحد من الفوضى، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وتقليص نفوذ القوى غير الغربية الفاعلة في سوريا، ولا سيما روسيا وإيران.
إلا أن الإشكالية الأساسية في هذا التحول تكمن في خطر تقديم الاستقرار الشكلي على العدالة السياسية. فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن التسويات التي تتجاهل حقوق الشعوب والمكونات، وتعيد إنتاج الدولة المركزية الصلبة، لا تؤدي إلى استقرار مستدام، بل تؤسس لجولات جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.
في هذا السياق، تبرز المخاوف الكوردية من أن يتحول الانفتاح الغربي إلى تفاهمات سياسية تعقد على حساب الحقوق المشروعة للكورد، رغم الدور المحوري الذي أدوه خلال السنوات الماضية في محاربة تنظيم داعش، وحماية مناطقهم، والحفاظ على مستوى من الاستقرار السياسي والإداري في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في الشرق الأوسط.
لقد أظهرت تجربة الإدارة الذاتية في غرب كوردستان أن الكورد لا يشكلون تهديداً لوحدة سوريا، بل يقدمون نموذجاً قابلاً للنقاش حول اللامركزية، والتعددية، والشراكة بين المكونات.
ومع ذلك، ظل هذا النموذج محاصراً سياسياً، ولم یحظ باعتراف دستوري أو قانوني واضح، فيما بقي الدعم الدولي له محصوراً في الإطارين الأمني والعسكري، دون ترجمة سياسية حقيقية.
في خضم هذه التعقيدات، تكتسب القيادة السياسية الكوردية المسؤولة أهمية مضاعفة، لا سيما في المراحل التي تتكاثر فيها مخاطر الانزلاق نحو الصدام. وهنا يبرز الدور البارز لفخامة الرئيس مسعود بارزاني، الذي مثّل على مدى سنوات طويلة صوت العقل والحوار في لحظات التوتر الحاد.
لقد لعب فخامته دوراً محورياً في تهدئة النزاعات الداخلية الكوردية، والدفع نحو وقف المعارك، وتهيئة الظروف لهدنات سياسية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الاقتتال الداخلي لا يخدم سوى القوى الساعية إلى إضعاف القضية الكوردية وتفتيت مكتسباتها. وقد أكد الرئیس مسعود بارزاني في أكثر من مناسبة أن وحدة الصف الكوردي تشكل شرطاً أساسياً لأي إنجاز سياسي مستدام.
كما امتد هذا الدور إلى الساحة الإقليمية والدولية، حيث شدد الرئيس مسعود بارزاني وخاصة في زیارته الاخیرة الی روما و لقاءه بقداسة البابا لاوون الرابع عشر و قادة إیطالیا على أن القضية الكوردية قضية سياسية وحقوقية بالدرجة الأولى، ولا يمكن معالجتها عبر الحلول الأمنية أو الإقصائية. ومن هذا المنطلق، دعا إلى اعتماد الحوار وسيلة وحيدة لمعالجة الخلافات، سواء داخل البيت الكوردي أو في العلاقة مع الدول التي تدعی المركزية.
إن التجربة السياسية في إقليم كوردستان العراق، رغم ما واجهته من أزمات وتحديات، تقدم مثالاً ملموساً على أن الاعتراف بالحقوق القومية، وتبني اللامركزية، وبناء الشراكات السياسية يمكن أن تشكل عناصر استقرار، لا عوامل تفكيك. وهي تجربة تؤكد أن الحلول السياسية التوافقية، مهما كانت معقدة، تظل أقل كلفة من الصراعات المفتوحة.
في ضوء الانفتاح الغربي الحالي على دمشق، تبدو القضية الكوردية أمام مفترق طرق. فإما أن يُعاد إدماج الكورد ضمن تسوية سياسية شاملة، تضمن حقوقهم القومية والثقافية والسياسية ضمن إطار دستوري واضح، أو أن يتم تجاوزهم مرة أخرى تحت ذريعة الواقعية السياسية ومتطلبات الاستقرار السريع.
إن الحقوق المشروعة للكورد — من الحق في الهوية واللغة، إلى المشاركة السياسية العادلة، والإدارة المحلية اللامركزية — ليست مطالب طارئة أو قابلة للمساومة، بل حقوق ثابتة كفلتها المواثيق الدولية، ويجب أن تشكل جزءاً لا يتجزأ من أي حل سياسي جاد في سوريا.
ختاماً، يمكن القول إن الانفتاح الغربي على الحكومة السورية ليس بالضرورة مساراً سلبياً، إذا ما استُخدم بوصفه أداة لدفع عملية سياسية شاملة وعادلة، لكنه قد يتحول إلى عامل عدم استقرار جديد إذا ما جاء على حساب حقوق الكورد وبقية المكونات السورية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى رؤية كوردية موحدة، وخطاب سياسي ناضج، واستمرار الجهود التي يمثلها قادة بحجم الزعیم الوطني مسعود بارزاني، من أجل تحويل لحظة التحول الراهنة إلى فرصة حقيقية لحل سياسي دائم، لا إلى هدنة مؤقتة تسبق جولة صراع أخرى.