د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
الرئیس مسعود بارزاني رائد التعايش السلمي وحارس الكرامة الدينية في زمن الانكسارات
هناك مقولة فلسفية معاصرة في أخلاقيات التعدد تنص بأنه "ليست قيمة الإنسان فيما يعتقده فقط، بل في قدرته على أن يحمي حقّ الآخر في أن يعتقد ما يشاء".
ففي الأزمنة التي تتكسر فيها المعاني، وتتحول الأديان من رسالات خلاص إلى ذرائع للإقصاء والعنف، تبرز نماذج نادرة تعيد الاعتبار للجوهر الأخلاقي للدين بوصفه حمايةً للإنسان لا أداةً لإبادته. من هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الرئيس مسعود بارزاني، لا كحدث سياسي عابر، بل كمسار أخلاقي وفلسفي في إدارة التنوع الديني، ومسؤولية تاريخية تجاه الإنسان بوصفه إنساناً، قبل أي انتماء آخر.
لقد مرّ العراق، ولا سيما بعد اجتياح الإرهاب لمدنه، بمرحلة قاتمة هُدّدت فيها الوجودات الدينية الأصيلة، وتعرض المسيحيون والإيزيديون لواحدة من أبشع صور الإبادة على أيدي جماعات ادّعت احتكار الحقيقة باسم الدين. في تلك اللحظة المفصلية، لم يكن موقف إقليم كوردستان، بقيادة مسعود بارزاني، مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل تجسيداً لرؤية متكاملة ترى في حماية التنوع واجباً أخلاقياً وسياسياً ودينياً في آنٍ واحد.
فتح الإقليم أبوابه لآلاف العائلات المهجّرة، لا باعتبارهم “لاجئين” بل کشركاء في الوطن، فوفّر لهم الحماية والكرامة وحرية المعتقد، في وقت كانت فيه الجغرافيا تضيق والضمائر تُختبر. هنا، يتحول الفعل السياسي إلى قيمة أخلاقية، ويتحوّل القرار السيادي إلى موقف فلسفي يعيد تعريف مفهوم السلطة، سلطة تحمي الضعيف، لا تستقوي عليه.
لم يتوقف نهج الرئیس مسعود بارزاني عند حدود الإيواء، بل سعى إلى ترسيخ ثقافة التسامح بوصفها خياراً استراتيجياً، لا شعاراً ظرفياً. فقد أُعطي للمسيحيين والإيزيديين وغيرهم فضاء حر لممارسة شعائرهم، ومشاركة فعلية في الحياة السياسية والإدارية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التنوع الديني والقومي ليس عبئاً على الدولة، بل ثروة وطنية وأخلاقية ينبغي صونها. في هذا السياق، تصبح كوردستان تجربة حيّة لنموذج الدولة التي تتصالح مع التعدد، بدل أن تخشاه.
ومن هذا المنطلق الفكري، تناولتُ شخصياً تجربة إقليم كوردستان في فلسفة التعايش السلمي ضمن كتاب مستقل باللغة الکوردية، هو الآن في مراحله الأخيرة للطباعة تمهيداً لنشره. وقد انطلقتُ في هذا العمل من قراءة فلسفية للتجربة الكوردستانية، بوصفها نموذجاً أخلاقياً نادراً في إدارة التنوع وحماية الكرامة الإنسانية وسط محيط إقليمي مضطرب. وفي مقدمة هذا الكتاب، اخترت أن أُهديه إلى الرئيس مسعود بارزاني، باعتباره المؤسس الفعلي لهذه الفلسفة في إقليم كوردستان، والرجل الذي حوّل التعايش من مفهوم نظري إلى ممارسة واقعية، ومن خطاب أخلاقي إلى سياسة تحمي الإنسان أيّاً كان دينه أو انتماؤه. وتكتسب زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى الفاتيكان، ولقاؤه قداسة البابا ليو الرابع عشر، بعداً رمزياً عميقاً يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فهي لقاء بين تجربتين: تجربة دينية عالمية تمثل المرجعية الروحية لما يقارب 1.4 مليار مسيحي، وتجربة سياسية–إنسانية في قلب الشرق الأوسط، استطاعت أن تحمي المسيحيين حين تُركوا لمصيرهم. إن إشادة البابا بدور إقليم كوردستان، وتأكيده أن الإقليم أصبح “بيتاً وملاذاً آمناً للمسيحيين”، ليست مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف أخلاقي بتجربة نادرة في منطقة مثخنة بالجراح الطائفية.
من منظورٍ فلسفي، يمكن القول إن مسعود بارزاني قد أعاد الاعتبار لفكرة “العيش المشترك” بوصفها فعلاً إرادياً يتطلب شجاعة القرار، لا مجرد تعايش قسري تفرضه الجغرافيا. ومن منظورٍ ديني، فإن رجلاً مسلماً سنياً منتمياً الی الطریقة النقشبندية الخالدية قرع أبواب المرجعيات الدينية الأخرى، لا ليطلب شرعية سياسية، بل ليوقف الإبادة عن شعبه، ويؤكد أن جوهر الأديان واحد، حفظ النفس، وصون الكرامة، ورفض الظلم.إن زيارة الفاتيكان ليست تمثيلاً حزبياً، بل حضور وطني يعكس موقع الكورد على الساحة الدولية، ويؤكد أن وحدة الموقف والمسؤولية الأخلاقية هما ما يمنح القضايا العادلة صوتها الحقيقي في العالم. وكما سيشهد التاريخ، فإن إقلیم كوردستان، بحكمة قيادتها، تكاد تكون اليوم الملاذ الآمن الوحيد لمسيحيي العراق في هذه المنطقة المضطربة، ليس صدفة، بل نتيجة خيارٍ واعٍ بأن يكون الإنسان أولاً.
ختاماً، في زمن تتكاثر فيه الأسوار، تبقى كوردستان، كما أرادها الزعیم مسعود بارزاني، مساحةً مفتوحة للضمير الإنساني، ودليلاً على أن السياسة، حين تتكئ على الأخلاق، قادرة على أن تكون فعلاً من أفعال الإيمان.