الرئيس مسعود بارزاني صانع أسطورة الوحدة الكوردستانية

الرئيس مسعود بارزاني صانع أسطورة الوحدة الكوردستانية
الرئيس مسعود بارزاني صانع أسطورة الوحدة الكوردستانية

في مسيرة الشعوب، تتجاوز الأسطورة حدود الحكاية أو الموروث الشعبي لتصبح رؤية وجودية تجمع بين التاريخ والفلسفة والهوية الوطنية. والكورد، بتاريخهم الممتد وإرثهم الثقافي الغني، يمتلكون تراثاً من الأساطير والفلاسفة الذين جسّدوا في كتاباتهم وأعمالهم فكرة الأمة المتماسكة رغم التشتت الجغرافي والسياسي.

في هذا السياق، يظهر فخامة الرئيس مسعود بارزاني كقائد فريد، لا يقتصر دوره على السياسة المحلية أو الإقليمية، بل يمتد ليصبح صانع أسطورة الوحدة الكوردستانية، رابطاً بين السياسة والدبلوماسية والقيم الروحية والثقافية التي تشكل جوهر الهوية الكوردية.

منذ عقود، ركّز الرئیس مسعود بارزاني على تعزيز الهوية الكوردية وحماية مكتسبات إقليم كوردستان، مع مراعاة تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي. وقد استطاع تحويل السياسة من مجرد إدارة مصالح آنية إلى أداة لبناء رؤية قومية حية، تترسخ فيها الهوية الكوردية كوجود ثقافي وروحي متماسك، وليس مجرد انتماء جغرافي أو سياسي. في هذا السياق، تصبح أسطورة الوحدة الكوردستانية جسراً يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويمنح الشعب رابطاً روحياً وثقافياً يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

من الناحية الفلسفية، يرى الرئيس بارزاني أن الوحدة الكوردية هي مفهوم أخلاقي وجودي، يقوم على الحرية والكرامة الإنسانية وحق شعب كوردستان في تقرير مصيره. لذلك، أي مشروع لتعزيز الهوية الكوردية يجب أن يعتمد على الحكمة والدبلوماسية والمبادرات السياسية التي تحترم القانون الدولي وتوازن القوى الإقليمية، بدل المواجهة العنيفة أو الانفصال الأحادي. بهذا المعنى، يصبح القائد الكوردستاني فيلسوفاً عملياً، يمزج بين التاريخ والفلسفة والواقع ليصنع سياسة قائمة على المبادئ والغاية الاستراتيجية تُترجم في خطوات عملية ملموسة.

على الصعيد الدولي، لعب الرئيس بارزاني دور الوسيط بين القوى الكوردية في العراق وتركيا وإيران، وكذلك في روجافا (غرب كوردستان). فقد دعا دائماً إلى توحيد الصف الكوردستاني، مؤكداً أن الانقسامات الداخلية تضعف الهوية المشتركة وتحد من قدرة الكورد على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. من خلال هذه الوساطة، ساهم في بناء قاعدة معرفية وثقافية مشتركة، تجعل من وحدة الموقف الكوردستاني قيمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، وتؤكد على أهمية التضامن بين أجزاء كردستان المقسمة.

ولم يقتصر دوره على السياسة التقليدية، بل حرص على تمثيل الكورد على المستوى الدولي، حيث التقى قادة دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا، مؤكداً أن حماية مكتسبات إقليم كوردستان الدستورية في العراق هي الأساس الذي تُبنى عليه أي رؤية كوردية إقليمية. كما قدم دعماً سياسياً ودبلوماسياً محدوداً للكورد في غرب كوردستان، مع مراعاة التوازنات الإقليمية وحساسية العلاقات مع تركيا، مؤكداً أن أي دعم يجب أن يكون قانونياً ومتسقاً مع مصالح الكورد، بعيداً عن أي تصعيد قد يضر بوحدتهم أو بمكتسباتهم.

إن ما يميز دور الرئيس مسعود بارزاني، كمرجع كوردستاني، هو قدرته على تحويل السياسة إلى أداة لتجسيد القيم القومية والهوية الكوردية. فقد جعل من الدبلوماسية وسيلة لترسيخ الرابط الروحي والثقافي بين الشعب وأرضه، وهو ما يشبه عمل الفلاسفة الكورد عبر التاريخ، أمثال أحمد خاني، الذين سعوا إلى صياغة وعي قومي متماسك رغم التشتت الجغرافي. بهذا، تصبح الوحدة الكوردية أسطورة حية تمثل رابطاً روحياً وثقافياً للأجيال، وتربط بين الكورد في كل بقاع كوردستان وخارجها، من الشتات إلى الوطن الأم.

وقد أثمرت هذه السياسة عن حماية مكتسبات إقليم كوردستان الدستورية بعد أحداث ٢٠١٧ واستفتاء الاستقلال، وتعزيز صورة الكورد كشريك سياسي موثوق في العراق والمنطقة، وتثبيت الدعم الدولي للكورد في غرب كوردستان في سياق مكافحة الإرهاب، مع الحفاظ على قدرة الكورد على لعب دور الوساطة بين القوى الإقليمية والدولية. كما ساهمت في تعزيز الشعور بالقومية المشتركة بين الكورد في العالم، وخلق رابط روحي وثقافي يجعل من الهوية الكوردية قيمة حية، مستمرة ومتجددة.

ورغم هذه الإنجازات، تواجه هذه الرؤية تحديات واضحة، فصعوبة تحقيق وحدة سياسية كاملة بين القوى الكوردية في سوريا وتركيا وإيران، بالإضافة إلى الاعتماد على الواقعية السياسية بدل الطموح الانفصالي، تجعل مهمة بناء أسطورة الوحدة الكوردية تحدياً دائماً. كذلك، محدودية القدرة على التأثير العسكري أو الاقتصادي المباشر في باقي أجزاء كوردستان تشكل قيوداً طبيعية أمام أي مشروع قومي طموح. ومع ذلك، تبقى قوة أسطورة الرئيس بارزاني في الرؤية الشمولية التي تجمع بين الفلسفة والتاريخ والسياسة العملية، ما يجعلها نموذجاً فريداً بين القادة المعاصرين.

في البعد الرمزي، يعكس دور الرئيس بارزاني فكرة أن كل أمة تحتاج إلى أسطورة حية تحمي روحها وقيمها، لا مجرد سياسات مؤقتة أو شعارات فارغة. فالأسطورة الكوردية التي يصنعها الرئیس بارزاني تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتؤكد للكورد في كل مكان أن الوحدة ليست حلماً بعيد المنال، بل قيمة يمكن تحقيقها بالقيادة الحكيمة، الالتزام بالمبادئ، والوعي القومي المشترك.

في النهاية، يمكن القول إن الرئيس مسعود بارزاني يصنع أسطورة الوحدة الكوردستانية من خلال قيادته التي تمزج بين الفلسفة القومية والسياسة الواقعية والتاريخ المشترك. فهو يحوّل الوحدة الكوردية إلى أداة للربط الروحي والثقافي بين شعوب كردستان المتفرقة، ويجعلها قوة سياسية وثقافية قادرة على الصمود أمام تحديات الداخل والخارج. إنه ليس مجرد زعيم سياسي، بل رمز حي لفكرة الأمة المتماسكة، وصانع أسطورة تلهم الأجيال وتثبت مكانة الكورد على خريطة الأمم الحرة.