أنا كوردي، ثم مُسلم

أنا كوردي، ثم مُسلم
أنا كوردي، ثم مُسلم

تاريخياً، وُجدت القومية قبل الأديان، لذا فإن هويتنا الجوهرية هي "الكوردية". حينما يُسأل المرء عن هويته، فإنه يُعرف نفسه بانتمائه القومي لا الديني. لقد ظهر الفكر القومي بدايةً في أوروبا ثم انتقل إلى بقية العالم، لكنه تأخر في الوصول إلى الشرق الأوسط. هذا التحول في المفاهيم أصبح أكثر جلاءً بعد انهيار الخلافة العثمانية وبروز الدولة الوطنية (Nation-state)، حيث أُسس النظام العالمي الحديث على أساس القومية.

في عهد "الأمة الإسلامية"، وقبل سقوط الخلافة، كان الدين هو الإطار العام للدولة، وكان المسلمون كورد، عرب، ترك و فرس يعتبرون أنفسهم أعضاءً في "أمة" واحدة. وكان صلاح الدين الأيوبي خير مثال على ذلك، إذ ناضل على أساس ديني، وفي عصره كان الإسلام يتقدم على الانتماء القومي. ولكن بعد عام 1924 وسقوط الخلافة، أصبحت "القومية" هي الركيزة الأساسية لبناء الدول. ورغم أن هذا الفكر تبلور في أوروبا مبكراً، إلا أن المناطق الخاضعة الخلافة العثمانية تأخرت في استيعابه. نحن الكورد كنا دوماً الممثلين الحقيقيين لديننا، ولكن حين استيقظ وعينا القومي، كانت الدول قد رُسمت حدودها بالفعل، فخرجنا من معادلة "تأسيس الدولة" وما زلنا ندفع ثمن ذلك حتى اليوم، في وقت جعل فيه الترك والفرس قوميتهم فوق كل اعتبار.

والمثال الأبرز على ذلك هو المملكة العربية السعودية، فبرغم كونها المرجع التاريخي للإسلام ونزول القرآن بلسان عربي (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، إلا أن العرب اتجهوا نحو القومية. ورغم صياغتهم لمفهوم "الوطن العربي"، إلا أنه انقسم لاحقاً إلى دول وطنية مستقلة، لأن الضرورة السياسية في العالم المعاصر استوجبت الهوية القومية لحماية المصالح والكيانات.

حين تضع قوميتك في المقدمة، فأنت لا تسيء للدين، بل إنك بحماية قوميتك وكيانك السياسي تحمي دينك أيضاً، وهذا ليس كفراً كما يحاول البعض تصويره. فإذا لم تكن قوياً بقوميتك، لن يحميك الدين وحده من التبعية، لأن المحتل غالباً ما يشاركك نفس الدين ويستخدمه كأداة لإسكاتك وإخضاعك.

هذا السؤال يشبه تماماً سؤال: "هل أنت عراقي أم كوردي؟". في الأصل نحن كورد، ولكننا دُمجنا قسراً مع العراق فتربطنا به هوية الدولة. والإجابة هنا أسهل لدى الكوردي لأنها مقارنة مع "العدو"، ولا تجرّه إلى صراعات دينية. لذلك، لا يحقّ لأحد أن يزايد علينا في هويتنا أو انتمائنا. فمثل هذه التساؤلات لا تخدم إلا أعداء الكورد، ولا تهدف إلا إلى ضرب وحدتهم وتمزيق صفّهم، تحت غطاء الدين، لخدمة أجندات خفية ومصالح مشبوهة.

ولهذا أقولها بوضوح: أنا كوردي أولًا، ثم مسلم.