ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
من دبي.. السيد مسرور بارزاني يرسخ حضور حكومة إقليم كوردستان كلاعب رقمي في معادلة الشرق الأوسط
لم يكن وصول رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، إلى دبي مجرد زيارة عابرة أو مشاركة بروتوكولية ضمن أجندة المؤتمرات الدولية؛ بل هو تموضع سياسي استراتيجي مدروس، يأتي في وقت تمر فيه المنطقة بأحد أخطر منعطفات إعادة التشكل في تاريخها الحديث.
في ظل تصاعد التجاذبات الدولية وتآكل البنى التقليدية لبعض القوى، تُعاد كتابة خرائط القوة بهدوء وفوق طاولات القرار التي تتسم بالرؤية المستقبلية. وفي هذا السياق، يأتي تحرك سيادته ليعلن بوضوح أن حكومة إقليم كوردستان ليست مجرد مراقب لما تؤول إليه الأمور، بل هي ركن أساسي في صياغة الاستقرار الإقليمي.
إن وجود رئيس الحكومة في قلب الحراك الدبلوماسي في دبي، يؤكد أن كوردستان حاضرة في نواة التفاهمات الاستراتيجية لإعادة توزيع الثقل في المنطقة، وأنه ليس متفرجاً على الأحداث، بل شريك فاعل في رسم ملامح الشرق الأوسط المستقبلي، ومساهم في صياغة معادلات الأمن والاقتصاد التي ستحدد وجه المنطقة لسنوات قادمة.
دبي اليوم لم تعد مجرد مدينة مال وأعمال، بل أصبحت عقدة استراتيجية تُصاغ فيها أولويات المنطقة، وتُختبر فيها الأدوار الجديدة للفاعلين الإقليميين. ومن هنا، فإن وجود السيد مسرور بارزاني في هذا المكان وفي هذا التوقيت يعني أن حكومة الإقليم حاضرة حيث تُصنع القرارات، لا حيث تُستقبل نتائجها.
يمر العراق والمنطقة بمرحلة تحول عميق في مفهوم الدولة؛ فالقرار لم يعد محصوراً في العواصم التقليدية، بل يتوزع بين المال، الطاقة، الأمن، والشرعية الدولية. في هذا الفضاء، تصعد الكيانات القادرة على تقديم ثلاثة عناصر نادرة تمتلكها حكومة الإقليم بامتياز، وهي الاستقرار الأمني في محيط مضطرب، والبنية المؤسساتية القادرة على التفاعل مع الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى الموقع الجيوسياسي الحيوي الذي يربط بين القوى الإقليمية الكبرى. لهذا، لم يعد الإقليم مجرد ملف محلي، بل تحوّل عبر حكومته إلى منصة إقليمية وازنة في لحظة إعادة توزيع النفوذ.
في مثل هذه اللحظات، لا يُقاس القائد بما يقول فحسب، بل بكيفية استغلال مساحات التأثير. وهنا تبرز حكمة رئيس الحكومة في تحويل المنصات الدولية إلى قنوات نفوذ لصالح كوردستان، حيث تتميز رؤيته بالقدرة على قراءة المشهد بدقة، وفهم موازين القوى، وتوجيه الحوار بما يعزز موقع الإقليم. هو لا يترك فرصة تمر دون تحويلها إلى مكتسبات ملموسة، سواء في مجال الاستثمار أو الطاقة. في دبي، لا يقتصر حضوره على المشاركة، بل على ترسيخ الحكومة كشريك موثوق، مما يجعل من كل لقاء فرصة لإعادة رسم حضور الإقليم على الخارطة الدولية.
يبعث وجوده في هذا المحفل ثلاث رسائل واضحة؛ الأولى للمحيط العربي والخليجي بأن حكومة إقليم كوردستان توفر بيئة آمنة ومستقرة لرأس المال والشراكات الاستراتيجية. والثانية للمجتمع الدولي باعتبار الإقليم شريكاً مستقراً يمكن الاعتماد عليه في توازنات المنطقة. أما الرسالة الثالثة فموجهة للداخل وللجهات المعنية بأن الشرعية في العصر الحديث تُبنى بالحضور الفاعل في غرف القرار الاقتصادي والسياسي العالمي.
يقف الشرق الأوسط اليوم بين نظامينن، نظام قديم تحكمه المركزية والاصطفافات، ونظام مستقبلي تحكمه المصالح المشتركة والشراكات العابرة للحدود. والسيد مسرور بارزاني، بوجوده في دبي يختار بوضوح الانتماء إلى العالم الثاني: عالم بناء النفوذ عبر التنمية والابتكار والاقتصاد، لا عبر الفوضى.
القيادة الحقيقية لا تُقاس بالخطابات، بل بمقاعد التأثير التي تُحجز حين تُرسم الخرائط. وبينما يتواجد رئيس الحكومة في دبي، تجلس حكومة إقليم كوردستان في واحدة من أهم غرف القرار ليس كضيف، بل كلاعب يدرك أن مستقبل المنطقة يُصنع في مراكز المال، والطاقة، والتفاهمات الكبرى.