طقوس الديانة الميثرائية

القسم الخامس

طقوس الديانة الميثرائية
طقوس الديانة الميثرائية

 إن طقوس الميثرائيين يمكن توضيحها من حلال مراتب الدين الميثرائي السبعة المرمزة بالكواكب  السيارة السبعة، وهي :

1- وهي المرتبة الأولى في الدين الميثرائي و التي يدخل فيها المريد لتلقي الأسرار و الطقوس وممثلة برمز الغراب الذي ساعد ميثرا على استرجاع الثور عبر دلالته له بمكان تواجده، يوافق المرتبة كوكب عطاردMercuries.

2- وهي المرتبة الثانية في العقيدة الميثرائية و ترمز للسحر والتنجيم عبر رمز العريس ، يوافق المرتبة كوكب الزهرة Venires .

3- والتي تسمى ميليا و ترمز للجندي، ربما عائدة إلى طبيعة إنتشار الديانة بشكل كبير في صفوف الجنود الرومان، يوافق هذه المرتبة كوكب المريخ Mars.

4- مرتبة الأسد و هي المرتبة الرابعة لدى الميثرائيين، يوافق المرتبة كوكب المشتري Jupiter.

5- المرتبة الخامسة في الميثرائية و تسمى الفارسي، توافق كوكب القمر Luna.

6-   وهي المرتبة السادسة في الديانة الميثرائية و تعني الهيول أو رسول الشمس، وتوافق كوكب الشمس Solis .

7- وهي المرتبة السابعة والأخيرة في الديانة الميثرائية والتي تنتهي بإتحاد المريد في الديانة بالإله الأب الذي يرمز له في الديانة الميثرائية بكوكب زحل Saturnus.

كانت هذه المراتب، هي المراتب الأساسية في الدين الميثرائي، التي تقسم إلى سبعة مراتب، كل مرتبة منها تحت حكم جرم من الأجرام السماوية، أيضا كانت المراتب الأربعة الأولى، سهلة للتقدم الروحي بالنسبة للمريد أو الداخل في الطقس الميثرائي من جديد، لكنها كانت تصبح أكثر صعوبة في المراتب الثلاثة الأخيرة.

وكان لكل جرم سماوي باب يدخل منه إلى المجال الكوكبي وكان يرتبط بيوم من أيام الأسبوع، نراه أيضا يترافق بطبيعة أحد المعادن، فكانت مرافقة الكوكب لطبيعة معدن من المعادن، أمر شائع جدا لدى الميثرائيين. ففي الباب الأول نرى القمر و معدن الفضة، في الباب الثاني نرى كوكب عطارد يوافق معدن الحديد، في الباب الثالث كان كوكب الزهرة يرافق معدن القصدير، في الباب الرابع كان كوكب الشمس يواكب معدن الذهب، في الباب الخامس كان كوكب المريخ يواكب معدن خليط، في الباب السادس كان كوكب المشتري يواكب معدن البرونز، وفي الباب السابع الأخير كان كوكب زحل يواكب معدن الرصاص. كانت هذه المعادن و اختلاطاتها ومواكبتها لطبيعة الكواكب والنجوم تشرح للمريدين في الديانة الميثرائية بطريقة سرية، وكان يشرح لهم تبدل مواضعها وتأثيراتها كنجوم ذات طاقة حيوية على الأرض والإنسان حتى درجة إعتبارها أربابا أو آلهة للخلود.

   يقول العالم البلجيكي "فرانز كومونت"(1878-1947م)، أن الرومان كان لديهم المؤهلات لاستقبال دين، يعتمد على الكواكب والأجرام السماوية، فقبل إنتشار الديانة الميثرائية لديهم، كانت الآلهة ترتبط بكوكب من الكواكب، فمثلا نجد الإله هيلوس إلها للنور والشمس، أما الإله جوبيتر فكان يرمز إلى كوكب المشتري لديهم، هذا ما سهل فكرة تقبلهم لديانة كالديانة الميثرائية المرتبطة بالفلك والأجرام السماوية، لا سيما الشمس وتأثيراتها على الفصول وتقلب المواسم في الكرة الأرضية.

   كانت المراحل الثلاث الأخيرة في الميثرائية، هي المراتب التي يتم فيها اصطفاء المريد من عالم المادة في الإتحاد مع الإله عبر دخوله بداية من الباب الأساسي باب القمر، الذي سمى بالفارسي، ومن ثم التماهي مع قرص الشمس المسمى بالهيولى، أو رسول الشمس، عبر الضوء والشعاع الذي يجسد الحجاب، للوصول فيما بعد إلى الغاية أو المعنى، أي الاتحاد مع الأب، كوكب زحل، المرحلة الأخيرة في الديانة الميثرائية وهي مرحلة الخلود المطلق.

كان الميثرائيين أيضا بتبعون للدخول في الطقس الديني العماد الذي يسمونه التطهر والتنقية، والذي كان على المريد ممارسته للسماح له بالدخول في الديانة وتلقي السر الميثرائي الباطني، فكان عماد الميثرائيين مشابها جدا لطقوس العماد المسيحية، هنا السؤال الذي يطرح نفسه هي نسبة تأثير الديانتين في بعضهما البعض، خصوصا خلال فترة المنافسة بينهما بين القرن الثاني والرابع الميلاديين، والسؤال الأهم: ما هو أثر الميثرائية في طقوس العبادة المسيحية إذا اعتمدنا الوجود الأقدم للميثرائية كديانة؟

   والموضوع الأهم للطرح كقرينة مادية أثرية مساعدة على تحليل الطقوس الميثرائية بشكل علمي، هي رمز الميثرائيين الأهم المعروف بالانكليزية Tauroctony توركتوني المعروف في الإيطالية ب Tauroctonia الذي هو عبارة عن رسم على الفريسك أو نحت يجسد الإله ميثرا يهم بنحر الثور كأضحية لإله الشمس، على جانبي النحت أو الرسم يرى إله الشمس من على يمين النحت، وإله القمر من على يسار الإله ميثرا، يرى أيضا الغراب، الذي يجسد حسب الأسطورة الطائر الذي دل ميثرا على مكان الثور الهارب، منحوتا بالقرب من إله الشمس، هنا ترمز المنحوتة إلى أهميته في العقيدة، فعن طريقه استطاع ميثرا استرجاع الثور وذبحه، نرى هذه الأهمية لطائر الغراب يتردد صداها في ديانات شرقية كثيرة، تظهر بوضوح في موضوع النبي نوح(= عليه السلام) والفيضان وأنه كان الطائر الذي دل البشر على اليابسة بعد الطوفان. 

وبالعودة إلى موضوع النحت الميثرائي، نرى الإله ميثرا في النحت يهم بذبح الثور في منطقة الرقبة، بينما نلاحظ إنقضاض كائنات أو حيوانات أخرى على الثور من الجهة السفلية من بينها نرى: الكلب، الأفعى، والعقرب، هنا تجسد هذه الكائنات أبراج سماوية أو نجوم معروفة في علم الفلك. لدراسة المعنى الذي يجسده رمز الميثرائيين "تاوروكتونوس" سيتم الإطلاع على تأويلات الباحثين في هذا المجال، لعرض فرضياتهم العديدة حول الموضوع، فبينما يقول الباحث الايطالي ماريو أونتيرستينور Mario Untersteiner( 18891-1981م)، أن تأويله يرجع إلى مقارنة النحت الميثرائي مع منحوتات مشابهة لمنحوتات مدارس النحت أو تطور النحت خلال عام 200 ق.م، ويبرر نظريته بقوله أن هذا التجسيد لنحر الثور يعود إلى مدرسة نحت مدينة بيرغامو Pergamo الايطالية، وأن الكثير من المنحوتات، كانت متشابهة مع معنى الرمز الميثرائي، أو تجسيد مشابه له، يشير الباحث إلى أنها كمنحوتات مقتبسة عن تصورات للإسكندر الأكبر في وضعيات مشابهة. في نفس الموضوع يشيرالباحث البلجيكي فرانز كومونت إلى أن أغلب الدراسات التي تمت في القرن العشرين حول رمزية النحت الميثرائي أكدت أن موضوع الثور كأضحية يرجع بأصوله إلى ديانات إيران القديمة. التأويل الأكثر أهمية و الذي أثار الجدل حول صحة تأويله في القرن العشرين أتى عبر الباحث الامريكي (ديفيد أولانسي David Ulansey) عام 1991م، الذي قارن فيه بين فكرة الرمز الميثرائي والنظرية الفلكية (سبق الاعتدالات) المعروفة باللغة الإنكليزية تاريخيا ب(precession of the equinoxes)،  أي بداية الاعتدالات التي كان أول من تحدث عنها وشرحها بشكل واضح العالم الفلكي الإغريقي ( Hipparkhos هيبارخوس النيقاوي) نهاية القرن الثاني قبل الميلاد أي قبل ظهور الميثرائية في أراضي الإمبراطورية بقليل، في هذه النظرية يشرح هيبارخوس أن هناك عدة تحولات أو تأثيرات على كوكب الأرض أو المخلوقات تنتج من التغييرات التي نتشأ عن تحركات أبراج الفلك، ذلك كونها تترك فراغات أو مجالات يختلف تأثيرها حسب بعد أو قرب كوكب الأرض المتحرك من النجوم الثابتة ولا سيما الشمس. يشرح هيبارخوس نظريته بتخيل محور عمودي يمتد في الفراغ بين الكرة الأرضية و الشمس، هذا المحور يتغير مكانه باستمرار، ذلك عبر حركة الكرة الأرضية و إنتقالها من مسار إلى مسار آخر، هذا الإنتقال هو ما ينتج عن فراغاته المساحة المختلفة لبعد الأرض بالنسبة للأبراج الفلكية، فتأثيرات الكواكب على الأرض تنشأ من هذه الحركة وتظهر تأثيراتها المختلفة على حواف كوكب الأرض، كون الأرض جسم شبه كروي، مفلطح و جاحظ في منطقة خط الإستواء. هذه التأثيرات أو التغييرات ترى أول نتائجها على الأرض بتعاقب الفصول، وإختلاف درجة حرارة الأرض باستمرار، عبر حركتها إقترابا أو إبتعادا عن كوكب الشمس.

   وكان الباحث دافيد أولانسي David Ulansey  قد عمل على إسقاط هذه الظاهرة الفلكية على الرمز الميثرائي، على إعتبار أن الأبراج الفلكية والأجرام السماوية هي من أساسيات الدين الميثرائي، فيفترض بأن رسم أو نحت سيطرة الإله ميثرا على الثور من جديد، يشير إلى تموضع برج الثور في السماء وتحركاته، فعندما يخرج برج الحمل من المدار ويدخل برج الثور، يحدث الإعتدال الربيعي كنتيجة لهذ التغييرات الفلكية، و نحن نعلم ما لهذا الوقت أو التغيير، من تأثيرات في الديانات ذات الأصل الشرقي عامة، ففي هذا الوقت تعود الحياة إلى الأرض عبر فصل الربيع و الخضرة، هنا يشير الباحث في فرضيته إلى أن الميثرائيين ينسبون هذه الظاهرة إلى الإله ميثرا، الذي يسيطر على برج الثور ويجعله يعود بالقوة إلى محوره، بذلك تعود الحياة من جديد لكوكب الأرض والكائنات الساكنة له، هنا يكون ميثرا حسب الفرضية، مسيرا للكون أو واهب الخلق والحياة وفق التصورات الميثرائية.

أيضا في النحت الميثرائي، دوما يرى خروج القمح من تحت الرقبة في المنطقة التي يطعن فيها ميثرا الثور، هنا تتحدث المصادر التاريخية عن تأويل يشير إلى أنه من نخاع الثور كان قد خلق القمح والنباتات الأخرى، بينما من دمه خلق المشروب المقدس أي الخمر.
بالنسبة للدخول في الطقس الديني الميثرائي، كان يجب على المريد كشرط أساسي لتلقي السر الديني، أن يخضع للتطهر بالماء أي التنقية، المشابهة لطقس العماد لدى أديان أخرى كالمسيحية و الصابئة وغيرها، فهو عملية أساسية لقبول المتعلم الجديد قبل الدخول في الطقوس الميثرائية، حتى أننا نلاحظ أن وجود شلال الماء أو نبع الماء، ركن أساسي في المعبد الميثرائي، إن لم يكن طبيعيا يتم الإستعاضة عنه بمصدر ماء صناعي.

   كانت هذه المعلومات، من أهم المعلومات المادية التي توصلت إليها الدراسات والتنقيبات الأثرية حول العقيدة الميثرائية، لا شك أن هذه الدراسات، كانت قد أغنت المعلومات عن الميثرائيين وعملت على جلاء صورة الكثير من الأفكار المغلوطة عنهم، بل ساهمت أيضا في نزع تهمة الهرطقة المنسوبة إليهم من قبل الخصوم، لتثبت الدراسات أن الخصوم ولا سيما المسيحيين كانوا هم من اقتبسوا الطقوس الميثرائية خصوصا أن الديانة الميثرائية أقدم وجوديا  من المسيحية بقرون.

   تبقى المشكلة في التعاطي مع هذا النوع من الديانات الباطنية، في عدم وجود مصادر كتابية أو توثيقية يتحدثون فيها عن أنفسهم ، لذلك فمهما وصلت الدراسات الآثرية والتاريخية عنها إلى مراحل متقدمة، لن تستطع الوصول إلى فهم حقيقي للفلسفة التي تحملها، أو الفكر الحقيقي الذي يحمله معتنقيها، فعندما نقرأ عن المراتب الفلكية في الديانة الميثرائية ونعلم أنها تؤلف مراحل، نستنتج أن كل مرحلة من المراحل كانت تتسم بفلسفة معينة، خصوصا عندما نعلم أن المريد، كان يتجاوز المراتب الأربعة الأولى بسهولة، لكنه يحتاج الى زمن طويل للدخول أو لتجاوزالمراتب الثلاثة الأخيرة، هنا تكمن تعقيدات الفلسفة الميثرائية والتي لا يعلمها إلا معتنقي الديانة وطقوسها السرية.