إقليم كوردستان في سياق عودة توازن القوى داخل العالم الغربي

إقليم كوردستان في سياق عودة توازن القوى داخل العالم الغربي
إقليم كوردستان في سياق عودة توازن القوى داخل العالم الغربي

أعاد خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن التأكيد على مركزية الشراكة عبر الأطلسي، مشدداً على ترابط المصير بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأن إنهاء هذه الشراكة ليس وارداً في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. غير أن أهمية الخطاب لا تنحصر في نبرته التصالحية، بل تكمن في السياق البنيوي الذي صدر فيه؛ إذ جاء في لحظة يتجدد فيها الجدل حول عودة منطق توازن القوى إلى داخل العالم الغربي نفسه.

ففي ظل سياسات الرئيس دونالد ترامب، ولا سيما خلال ولايته الثانية، تكرّس إدراك أوروبي متنام، بأن الولايات المتحدة لم تعد الفاعل القابل للتنبؤ بالسلوك ذاته الذي طبع مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وفي هذا السياق، كتب ستيفن والت في مجلة فورين بوليسي (23 كانون الثاني/يناير 2026) تحت عنوان “نظرية توازن القوى تضرب من جديد” أن منطق التوازن لم يتلاش في ظل الأحادية القطبية، بل أعاد إنتاج نفسه بصيغ “ناعمة” داخل التحالفات ذاتها، عبر تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.

ووفق المنظور الواقعي الذي أسسه هانز مورغنثاو وطوّره كينيث والتز، فإن تغير إدراك نيات القوة المهيمنة أو تراجع موثوقيتها يكفيان لبدء سلوك الموازنة، حتى داخل المعسكر الواحد. وهذا ما يتجلى في سعي الأوروبيين إلى تقليل الاعتماد المفرط على واشنطن من دون الانزلاق إلى مواجهة معها؛ فالتوازن هنا ليس موجهاً ضد الولايات المتحدة، بل يتموضع إزاءها بهدف إعادة ضبط العلاقة.

في هذا الإطار الأوسع، يكتسب إقليم كردستان دلالة تحليلية خاصة. فعلى الرغم من كونه فاعلاً دون-دولي، فإن حكومة إقليم كردستان تمارس شكلاً مصغراً من منطق التوازن ذاته. فقد تأسست علاقة الإقليم بالولايات المتحدة على شراكة أمنية وثيقة منذ عام 2003، تعززت في سياق الحرب على الإرهاب. غير أن تقلبات نمط الانخراط الأمريكي، وتبدل أولويات السياسة في واشنطن، دفعا أربيل – كما دفعا عدداً من العواصم الأوروبية – إلى تبني مقاربة تحوطية متعددة الأبعاد.

تتجسد هذه المقاربة في ثلاثة مسارات مترابطة: الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن بوصفها ركيزة ردع أساسية؛ وتنويع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع قوى أوروبية وآسيوية لتقليل هشاشة الاعتماد الأحادي؛ وإدارة توازن دقيق مع بغداد ودول الجوار عبر البراغماتية وتجنب الاصطفافات الحادة.

ولا يقتصر دور الإقليم على إدارة معادلة الاعتماد الخارجي، بل يمتد إلى ممارسة دبلوماسية نشطة أسهمت في تخفيف حدة التوترات الإقليمية. فقد عملت أربيل خلال السنوات الماضية على توظيف أدوات دبلوماسية رفيعة المستوى، عبر استضافة حوارات غير رسمية، وتسهيل قنوات تواصل بين أطراف متباعدة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى متنافسة، بما جعلها مساحة تلاق أكثر منها ساحة صراع. ويعكس هذا السلوك إدراكاً بأن الاستقرار الإقليمي شرط لازم لأمن الإقليم، وأن الدبلوماسية الوقائية تمثل مكملاً ضرورياً لمنطق التوازن.

بهذا المعنى، فإن ما يجري في “قلب الغرب” من إعادة ضبط لمعادلة النفوذ والاعتماد ينعكس أيضاً على أطرافه وشركائه غير الدوليين. فإذا كانت أوروبا تمارس “موازنة ناعمة” لتوسيع هامش استقلالها، فإن إقليم كردستان يعتمد “تحوطاً استراتيجياً” لضمان بقائه واستقراره في بيئة إقليمية معقدة يتقاطع فيها النفوذ الأمريكي مع أدوار قوى إقليمية متعددة.

الجامع بين الحالتين هو إدراك أن الهيمنة – حتى وإن وصفت بالحميدة – تصبح موضع مراجعة عندما تتراجع قابليتها للتنبؤ. عندئذٍ لا يكون الرد بالقطيعة، بل بإعادة توزيع الاعتماد وتوسيع هوامش المناورة. وهنا تتجلى عودة توازن القوى لا كصدام بين كتل متناحرة، بل كآلية تنظيم داخلية لضبط العلاقات غير المتكافئة.

إن إدراج حالة إقليم كردستان ضمن هذا التحليل يوسع زاوية النظر؛ فالتوازن لم يعد حكراً على الدول الكبرى، بل غدا منطقاً إرشادياً حتى للفواعل شبه الدولتية. ونحن اليوم أمام مرحلة يعاد فيها تشكيل العلاقات داخل العالم الغربي وحوله، حيث يسعى الجميع – من بروكسل إلى أربيل – إلى تعظيم هامش الحركة وتقليل الهشاشة في نظام دولي يتسم بتعدد الأقطاب وتزايد عدم اليقين.