هل تُدار الدولة بمنطق الأغلبية أم بروح الشراكة؟

هل تُدار الدولة بمنطق الأغلبية أم بروح الشراكة؟
هل تُدار الدولة بمنطق الأغلبية أم بروح الشراكة؟

كشفت جلسة اليوم عن خللٍ جوهري في آلية إدارة الملفات العليا في الدولة، بعد إضافة فقرة انتخاب أمين بغداد ورئيس أركان الجيش إلى جدول الأعمال من دون توافقات سياسية مسبقة بين المكونات. هذه الخطوة، وإن بدت من الناحية الشكلية إجراءً برلمانياً اعتيادياً، إلا أنها في جوهرها تمسّ قاعدة أساسية قام عليها النظام السياسي بعد 2003، وهي مبدأ الشراكة والتوازن.

إن المناصب التنفيذية العليا، ولا سيما تلك ذات الطابع الأمني والعسكري، لا يمكن التعامل معها بوصفها استحقاقات رقمية تُحسم بالأغلبية اللحظية داخل قبة البرلمان. فموقع رئيس أركان الجيش يرتبط مباشرة ببنية المؤسسة العسكرية وتوازناتها الوطنية، ويُفترض أن يكون نتاج رؤية مشتركة تضمن المهنية وتحفظ الاستقرار، بعيداً عن التجاذبات السياسية. وكذلك الحال بالنسبة لأمانة بغداد، التي تمثل موقعاً خدمياً وإدارياً مؤثراً في العاصمة، وتنعكس قراراتها على ملايين المواطنين.

إن إدراج هذه الفقرات بصورة مفاجئة ومن دون تفاهمات واضحة يثير تساؤلات مشروعة حول منهج إدارة الدولة: هل نحن أمام انتقال إلى منطق فرض الأمر الواقع؟ أم أن التوافقات لم تعد شرطاً لازماً في تمرير المناصب الحساسة؟

التجربة السياسية العراقية أثبتت أن تجاوز مبدأ التوافق في القضايا المفصلية لا يؤدي إلى تعزيز الاستقرار، بل يفتح أبواباً جديدة للأزمات السياسية ويعمّق فجوة الثقة بين القوى المختلفة. فالتوازن بين المكونات لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان ضمانة لتفادي الانزلاق نحو الاحتقان والانقسام.

إن إدارة الدولة تتطلب وضوحاً في المعايير وشفافية في الإجراءات، وتحتاج قبل كل شيء إلى احترام قواعد الشراكة التي تشكل الأساس الدستوري والسياسي للعملية السياسية. فالمؤسسات لا تُبنى بقرارات مفاجئة، ولا تُحصَّن بشرعية عددية فقط، بل بتوافق وطني يرسّخ الثقة ويعزز الاستقرار.

إن المرحلة الحالية، بما تحمله من تحديات أمنية واقتصادية وخدمية، تستدعي مزيداً من التنسيق لا مزيداً من التفرد، ومزيداً من التفاهم لا مزيداً من المفاجآت. فالدولة التي تُدار بروح الشراكة أقوى وأقدر على مواجهة الأزمات من دولة تُدار بمنطق الغلبة السياسية