ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
كوردستان "شيرين وخۆش"عذبة وجميلة...واحةٌ للتعايش السيادي في فضاء التعددية
في الحادي والعشرين من شباط يستحضر العالم اليوم العالمي للغة الأم تلك المناسبة التي اعتمدتها اليونسكو لتكون صرخة في وجه الذوبان الثقافي وتأكيداً على أن اللغات هي الأوعية الحاضنة لذاكرة الشعوب. وفي المنظور السياسي الحديث لم تعد قوة الأمم تُقاس حصراً بترسانتها العسكرية بل بمدى حصانتها اللغوية وقدرتها على الصمود أمام تيار التنميط الثقافي القسري. تحتل اللغة الكوردية اليوم المرتبة 58 عالمياً من حيث الحيوية والانتشار مما يضعها في قلب معادلة الأمن القومي لإقليم كوردستان. إن الاحتفاء بهذا اليوم ليس مجرد استذكار لنغمات شيرين وخۆش العذبة والجميلة بل هو استحقاق سياسي وتثبيت لهوية ناضلت طويلاً لانتزاع حقها في الوجود.
تتجلى الرؤية القومية لـ الرئيس مسعود بارزاني في إدراكه العميق بأن اللغة هي الوطن المعنوي ومن هنا تأتي المبادرات الاستراتيجية لإيصال المناهج والكتب الكوردية إلى الجاليات في المهجر لا سيما في مراكز الثقل الثقافي مثل ألمانيا والسويد. إن هذه الخطوات ليست مجرد دعم تعليمي بل هي وصل سيادي يحمي أجيالنا في الخارج من الذوبان الثقافي. إن وصول الكتاب الكوردي إلى يد طفل في السويد أو ألمانيا يعني بقاء لغته بوابةً للانتماء محولةً ملايين المغتربين إلى سفراء دائمين للهوية والسيادة الكوردية في قلب القارة الأوروبية.
وفي الداخل تخوض مؤسسات الإقليم معركة الرقمنة السيادية فجعل الكوردية لغةً للإدارة والاقتصاد بنسبة 100% هو تنفيذ للاستحقاق الدستوري. السيادة تبدأ من الحرف ومن يملك ناصية لغته يملك التحكم في بياناته وقراره المستقل. إن دعم حوسبة اللغة يضمن بقاءها لغة حيوية تواكب المستقبل الرقمي وليست مجرد إرثٍ حبيس الماضي.
ما يميز الجيوبوليتيك الكوردستاني هو تحوله إلى ملاذ آمن لتعايش اللغات حيث تضمن المؤسسات حقوق كافة المكونات في التعليم بلغاتهم الأم (العربية والتركمانية والسريانية والأرمنية) جنباً إلى جنب مع التنوع الثري للهجات الكوردية كـ السورانية والكورمانجية والهورامية والفيليّة. ينبع هذا من فلسفة أن قوة الإقليم في تنوعه إن احترام لغات شركاء الوطن هو أقصى درجات الثقة بالنفس فكلما كانت لغات المكونات محترمة زاد التماسك المجتمعي وتحصنت الجبهة الداخلية.
إن اللغة الكوردية "شيرين وخۆش" هي اليوم العقيدة الأمنية غير المرئية التي تصون كياننا رسالتنا في اليوم العالمي للغة الأم واضحة... كوردستان هي الأرض التي لا تموت فيها لغة ولا يهمش فيها لسان. نحن أمة تدرك أن صون اللغة الأم هو فعل تحرر مستمر وأن احتضان لغات شركائنا هو قمة النضج السياسي. سيادتنا تبدأ من هويتنا ومستقبلنا محصن بحروفنا التي صمدت آلاف السنين لتبقى كوردستان منارة للتعايش وحصناً للكرامة.