ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
اغتيال الجغرافيا في خانقين هل تكتمل فصول التعريب بثوب إداري يهدد القلعة الأخيرة للتعايش والسلم الأهلي؟
في قلب الجغرافيا العراقية النابض بالتنوع تبرز مدينة خانقين كأيقونة تاريخية للتعايش فهي المدينة التي لم تكن يوماً مجرد قضاء حدودي جاف بل كانت جسراً يربط المكونات في نسيج واحد صمد أمام أقسى العواصف السياسية والعسكرية إلا أن ما يشهده القضاء اليوم في تاريخ 25 شباط 2026 من تحركات مريبة تهدف إلى إعادة رسم حدود النواحي وفصلها عن جسد القضاء الأم مثل محاولات تحويل جلولاء وقره تبه إلى أقضاء مستقلة يضعنا أمام تساؤل مرير ومصيري هل نحن بصدد استكمال لسياسات التغيير الديموغرافي السابقة ولكن بأساليب إدارية ناعمة هذه المرة؟
لا يمكن فهم خطورة ما يجري اليوم دون العودة إلى جذور المعاناة لقد واجهت خانقين عبر العقود سياسات ممنهجة تسببت في خلل بنيوي في كيانها المجتمعي ففي عهد النظام السابق كانت المدينة مختبراً لسياسات التهجير القسري حيث تم اقتلاع آلاف العوائل الكوردية من جذورها وإحلال غيرهم في محاولة لطمس هوية الأرض واليوم يطل الخطر برأسه مجدداً إذ إن إخلاء ما يقرب من 40 قرية كوردية منذ أحداث تشرين 2017 وحتى الآن لم يكن مجرد حدث عابر بل كان إفراغاً استراتيجياً للأرض إن أي محاولة لإعادة رسم الحدود الإدارية في ظل غياب هؤلاء السكان وعدم إعادة الأمور إلى نصابها الحق هي محاولة لشرعنة النزوح ومنع العودة إن فصل النواحي عن القضاء يعني تشتيت الثقل السكاني وتحويل خانقين من مركز قرار حضري وتاريخي إلى مدينة معزولة إدارياً مما يسهل عملية قضم هويتها تدريجياً.
إن الخطورة الاستراتيجية تكمن في أن هذه القرارات لا تخدم الخدمات العامة كما يُروج لها بل هي زرع للفتنة في أرض لم تعرف سوى التآخي إن محاولة عزل العربي عن الكوردي والتركماني عن جاره عبر حدود إدارية مصطنعة هو قتل لروح المواطنة لقد حذرت القيادات الحكيمة وعلى رأسها السيد مسعود بارزاني مراراً من أن العبث بهذه المناطق هو لعب بالنار إن التفرقة الإدارية تمهد الطريق لصدامات مجتمعية فعندما يشعر المكون الأصلي بأنه يُحارب في جغرافيا وجوده وعندما تُسلب منه صلاحيات إدارة شؤونه عبر نقل الدوائر الحيوية كالري والنواحي إلى مراكز بعيدة فإننا بذلك نخلق بيئة خصبة للتطرف والقومية المتشنجة العراق اليوم في غنى عن عاصفة جديدة من الطائفية أو العرقية وما يفعله بعض المسؤولين عبر قرارات أحادية هو تغذية لهذه العاصفة وتدمير لمبدأ الشراكة الذي قام عليه الدستور.
إن القفز فوق بنود المادة 140 الدستورية عبر استحداث أقضاء جديدة في مناطق النزاع الإداري يعد التفافاً قانونياً صريحاً الدستور العراقي وضع خارطة طريق واضحة تبدأ بإنهاء آثار المظالم السابقة قبل اتخاذ أي قرار مصيري إن اتخاذ هذه الخطوات من قبل جهات محلية في ظل ظروف سياسية معقدة ودون توافق وطني يمثل طعنة في قلب التوافقات التي حفظت أمن المنطقة لسنوات إن إعادة الهيكلة الإدارية في هذا التوقيت ليست تطويرًا بل هي تفكيك متعمد لقطع الطريق أمام أي حلول دستورية مستقبلية.
في الختام نوجه دعوة صادقة لكل من يسعى لتطبيق مشاريع التفرقة انظروا بتمعن إلى إقليم كوردستان العراق انظروا إلى تلك اللوحة الإنسانية المدهشة في أربيل والسليمانية ودهوك حيث يعيش الكوردي بجانب العربي النازح والتركماني بجانب المسيحي في أمان وازدهار يثير الإعجاب اسألوهم هناك هل هذا الاستقرار هو ثمرة التفرقة والعزل الإداري؟ أم هو ثمرة التعايش واحترام هوية الآخر؟ انظروا إلى فرحة الأهالي هناك وهم يعيشون وحدتهم الوطنية تحت مظلة القانون والدستور وقارنوها بحال المناطق التي يُراد لها أن تتمزق إدارياً إن الفرق واضح بين بناء الأوطان وزرع الفتن خانقين ستبقى هي القلعة الأخيرة للتعايش والحفاظ على وحدتها الإدارية والتاريخية هو واجب وطني وأخلاقي قبل أن يكون قراراً سياسياً لنبني جسوراً من الخدمات لا جدران من الأقضاء التي تفرق الإخوة إن خانقين ونواحيها جسد واحد ومن يحاول بتر عضو منه إنما يغتال مستقبل السلم الأهلي في العراق بأكمله.