ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
أنفاق السيادة.. كيف حوّل مسرور بارزاني جغرافيا كوردستان إلى درع جيوسياسي؟
لم يكن تموز 2019 مجرد تاريخ إجرائي لتسلم الكابينة الوزارية التاسعة مهامها في إقليم كوردستان بقيادة رئيس مجلس الوزراء السيد مسرور بارزاني، بل كان منعطفاً استراتيجياً دخله الإقليم وسط أعقد الأزمات السياسية الاقتصادية والوجودية. بين مطرقة الحصار المالي المتمثل في قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية وسلاح إيقاف الصادرات النفطية وسندان التحولات الإقليمية العاصفة، بدا في حسابات المتربصين أن تراجع الكيان الدستوري للإقليم بات مسألة وقت. لكن في علم الاستراتيجية الحديث لا تُقاس قوة الكيانات بمدى استقرار ظروفها بل بقدرة قيادتها الاستباقية على تطويع الأزمات وصناعة البدائل، من هنا لم تكن الطفرة الكبرى لقطاع الطرق والجسور والأنفاق التي شهدها الإقليم (2019-2026) مشاريع خدمية تقليدية لتسهيل الحركة بل كانت عقيدة تنموية وسيادية صاغها السيد مسرور بارزاني بعناية لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للإقليم، وتحويل جغرافيتها من حبيسة مهددة بالتطويق الاقتصادي إلى جغرافيا محورية إلزامية تفرض شروطها وتنتزع مكانتها إقليمياً ودولياً.
إن السمة الأبرز التي ميزت قيادة السيد مسرور بارزاني في مقاطعة القوة وإدارة الأزمات كانت الفلسفة الإدارية الصارمة والارتكاز إلى مبدأ الاعتماد على الذات كمصدر وحيد للسيادة، ففي الوقت الذي اعتقدت فيه بعض القوى في بغداد أن حبس المستحقات المالية سيؤدي حتماً إلى شلل بنيوي ردت أربيل بابتكار آليات حوكمة مالية مرنة ومستدامة تفصل بين الحقوق الدستورية وبين استمرارية البناء، تجلت هذه الحوكمة عملياً في إنجاز 810 مشاريع متنوعة بكلفة إجمالية بلغت تريليون و57 مليار دينار وتنوعت مسارات التمويل بذكاء إداري، حيث جرى الاعتماد على الموازنة الاستثمارية والتشغيلية بالإضافة إلى مسار مبتكر متمثل في تخصيص نسبة 30% من عائدات محطات الوزن (القبان) والتي أنتجت بمفردها 255 مشروعاً بكلفة 17.5 مليار دينار، هذا الانضباط المالي أرسل رسالة بالغة القوة إلى مراكز القرار الدولي مفادها أن مؤسسات الإقليم تمتلك المقدرة الذاتية على الصمود والإعمار تحت أحلك الظروف.
تاريخياً، عانى إقليم كوردستان من معضلة الجغرافيا الحبيسة كأداة للضغط السياسي إلا أن العبقرية الاستراتيجية للكابينة التاسعة تجسدت في إعادة هندسة هذه الجغرافيا وتحويلها إلى عنصر قوة تفاوضية، من خلال التركيز على المشاريع الاستراتيجية الكبرى والأنفاق حيث يستمر العمل في 227 مشروعاً استراتيجياً بطول 2,239 كم وبميزانية مرصودة تفوق 4 تريليون و179 مليار دينار، نجح الإقليم في تحويل نفسه إلى ممر ترانزيت تجاري ونقل دولي إجباري يربط القوى الإقليمية الكبرى، تركيا وإيران بالعمق العراقي والخليجي، إن مشاريع بحجم طريق كوري - شقلاوة - قنديل ذي الاتجاهين، وطريق كويسنجق - أربيل الاستراتيجي بطول 48 كيلومتراً ليست مجرد معالم هندسية بل هي أدوات قوة جيوسياسية عابرة للحدود خلقت درعاً دبلوماسياً يحمي الإقليم من محاولات العزل ويمنح المفاوض الكوردستاني أوراق ضغط بالغة الصلابة مع بغداد والمحيط الإقليمي.
ولم تكن التنمية في عهد الكابينة التاسعة مركزية أو محصورة في المحافظات الكبرى على حساب الأطراف بل تحركت القيادة برؤية ثاقبة تهدف إلى تحصين الجبهة الداخلية عبر تصفير التهميش الجغرافي والإداري حيث امتد تنفيذ وتأهيل الطرق على طول 3,055 كم لتشمل بقوة الإدارات المستقلة المستحدثة (سوران، زاخو، رابرين، كرميان، وحلبجة)، إن هذا التوزيع العادل للمشاريع (مثل إنجاز 173 مشروعاً في السليمانية و70 في أربيل، و68 في كرميان، و43 في سوران) كان خطوة سياسية بامتياز لإجهاض أي محاولات خارجية للعب على وتر الخلافات الداخلية؛ فهذا الإنصاف التنموي رسخ ارتباط المواطن بأرضه ووفر فرص عمل متكافئة وأحدث استقراراً ديموغرافياً منع الهجرة العكسية مما عزز الولاء للمؤسسة الرسمية الجامعة. بالتوازي مع ذلك، انتقلت الكابينة التاسعة بمفهوم البنية التحتية إلى مرحلة الأمن البشري حيث تم تنفيذ هندسة المرور منذ عام 2022 وفقاً لأعلى المواصفات العالمية، وتخطيط طرق بطول 2,723 كم وتركيب 19,342 علامة مرورية وإنشاء 59 جسراً ونفقاً للمشاة، مما يعطي انطباعاً دولياً برصانة الدولة ومؤسساتها ونضجها الإداري.
وفي العقيدة العسكرية والاستراتيجية الحديثة لا ينفصل الأمن القومي عن الترابط اللوجستي والقدرة على المناورة. لقد أحدثت شبكة الطرق والجسور والأنفاق في عهد السيد مسرور بارزاني تحولاً جذرياً في العقيدة الدفاعية للإقليم متمثلة في محورين حاسمين: أولهما رفع كفاءة تحرك وقدرة مناورة قوات البيشمركة الأبطال والأجهزة الأمنية بنسب مضاعفة من خلال ربط مراكز المدن بالمناطق الحدودية الساخنة مما يتيح التدخل السريع والإمداد اللوجستي في دقائق معدودة ويحول الإقليم كاملاً إلى كتلة دفاعية واحدة متماسكة جغرافياً يصعب اختراقها وهو جوهر مفهوم الردع الدفاعي الديناميكي، وثانيهما تأمين السيادة الغذائية وسلاسل التوريد الداخلية والاكتفاء الذاتي كأقوى أوراق الصمود القومي من خلال ضمان تدفق المنتجات الزراعية والصناعية المحلية إلى كافة الأسواق دون انقطاع في أوقات الأزمات والتهديدات الإقليمية.
إن القراءة المتأنية والمجردة لحصاد الكابينة التاسعة في قطاع الطرق والجسور تضعنا أمام حقيقة استراتيجية لا تقبل الجدل: إننا أمام وثيقة صمود وسيادة وبناء وطني عابر للأزمات، لقد تولى رئيس مجلس الوزراء السيد مسرور بارزاني قيادة دفة الحكم في وسط أمواج متلاطمة استهدفت الكيان الدستوري للإقليم ولم يلتفت يوماً إلى لغة المبررات، بل واجه التحديات بلغة الإنجاز الميداني وبمنطق الفعل الذي يسبق القول. تريليون و57 مليار دينار تُرجمت شرايينَ تنمية نابضة في جسد أرض كوردستان وأكثر من 4 تريليونات دينار مُؤمنة ومستمرة لمشاريع استراتيجية مستقبلية، هذه البيانات هي صك الأمانة وعقد الثقة الحقيقي والصلب الذي يربط بين القائد وشعبه ويبرهن للشارع الكوردستاني وللمجتمع الدولي أن الأمانة السياسية لديه تعني حماية كرامة المواطن تحصين الكيان الدستوري، وفرض هيبة المؤسسات الرسمية للدولة العصرية.
واليوم، يقف إقليم كوردستان على أعتاب مرحلة تاريخية ومفصلية مع ترقب الإعلان وتشكيل الكابينة الوزارية العاشرة، في هذا التوقيت الحساس وأمام حجم التحولات الجيوسياسية المتسارعة والخطيرة في منطقة الشرق الأوسط، لم يعد اختيار شكل القيادة ومحركها التنفيذي خياراً خاضعاً للمساومات والمحاصصة السياسية بل هو معادلة أمن قومي ترتبط مباشرة بوجود الإقليم واستدامة قوته إن المصلحة الوطنية العليا تفرض معادلة واقعية وحيدة لا بديل عنها: إن القيادة الاستباقية الصارمة التي حمت كيان الإقليم وبنته في أوج الحصار المالي، هي وحدها المؤهلة والجديرة لقيادة المرحلة المقبلة، إن ما تحقق على أرض كوردستان من إعمار استراتيجي هو برهان قاطع على أن الأمانة بيد السيد مسرور بارزاني قد صينت وأن الثقة قد تُرجمت بقاءً واستقراراً، ومن أجل كوردستان قوية ومستقرة ومهابة الجانب، يصبح تجديد الثقة برئيس الوزراء السيد مسرور بارزاني لولاية ثانية يقود فيها الكابينة العاشرة، حتمية سياسية تفرضها الحكمة، واستحقاقاً وطنياً لا غنى عنه لصناعة مستقبل الأجيال القادمة وحفظ كرامة الوطن.