منهم فقيه كوردستان الشيخ “الزلمي”.. علماء كورد نبغوا في الأزهر وأناروا العالم بعلمهم

منهم فقيه كوردستان الشيخ “الزلمي”.. علماء كورد نبغوا في الأزهر وأناروا العالم بعلمهم
منهم فقيه كوردستان الشيخ “الزلمي”.. علماء كورد نبغوا في الأزهر وأناروا العالم بعلمهم

لم يكن حضور العلماء الكورد في الأزهر الشريف طارئًا أو عابرًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لعلاقة علمية وروحية ممتدة عبر قرون، صنعت جسورًا راسخة بين كوردستان ومصر، وبين مدارس العلم في السليمانية وأربيل والقاهرة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ الدكتور مصطفى إبراهيم محمد أمين الزلمي، الذي استحق عن جدارة لقب “فقيه كوردستان”، بعدما جمع بين الفقه وأصوله، والقانون وفلسفته، والاجتهاد وجرأة الطرح.

وقد قال عنه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب إنه “شيخ جليل تعلّم في أروقة الأزهر الشريف، وتتلمذ على شيوخه وعلمائه، وحصل على شهادات علمية من جامعته”، وأن سيرته ستظل حاضرة تمثل نبراثا مضيئا لكل من يفد من العالم وبأن أبواب الأزهر ستظل مفتوحة أمام أبناء العراق وكوردستان، وأن التعاون العلمي والثقافي باقٍ ومتجد على مر الزمان .

الأزهر… منارة لأبناء كوردستان

لم يكن الدكتور الزلمي الثمرة الوحيدة التي أثمرها الأزهر من أبناء كوردستان، فقد سبقه عدد من العلماء الكورد الذين نهلوا من علومه وأسهموا في نشر منهجه الوسطي في بلدانهم. ومن أبرزهم: سعيد النورسي، ومحمد كرد علي، والشيخ عبد الكريم المدرس، والصوفي الكبير أحمد السهروردي، والشيخ محمد الزهاوي، والشيخ نجم الدين الواعظ، والشيخ عثمان الجباري، والشيخ عمر وجدي الذي تولّى مشيخة رواق الأتراك والكورد والبغداديين في الجامع الأزهر إبّان ثورة يوليو 1952.

هذا الامتداد التاريخي يوضح أن الأزهر لم يكن مدرسة وطنية فحسب، بل كان مدرسة أممية، تتسع لمختلف القوميات والثقافات، وتخرّج علماء حملوا مشاعل العلم إلى أوطانهم، فصاروا بدورهم منارات هداية وإصلاح.
النشأة والبدايات في كوردستان

وُلد الزلمي عام 1924 في قرية “زلم” التابعة لقضاء حلبجة بمحافظة السليمانية في كوردستان العراق. التحق بالمدرسة الدينية عام 1934 وهو في العاشرة من عمره، فدرس علوم النحو والصرف والمنطق وآداب البحث والمناظرة والبلاغة وأصول الدين وأصول الفقه والفلسفة والفلكيات والرياضيات.

تلقى العلم على أيدي عدد كبير من علماء كوردستان العراق وإيران، حتى نال الإجازة العلمية عام 1946، ثم جلس للتدريس في المدارس الدينية، ولم يكتفِ بالعلوم التقليدية، بل شجع طلابه على دراسة العلوم الحديثة كالرياضيات والفيزياء والتاريخ والجغرافيا، إدراكًا منه لأهمية الجمع بين التراث والمعاصرة.

الرحلة الأكاديمية بين بغداد والقاهرة

بدأ الزلمي دراسته الجامعية بالحصول على بكالوريوس القانون من جامعة بغداد عام 1965، ثم ماجستير الشريعة الإسلامية من الجامعة نفسها. بعدها شدّ الرحال إلى القاهرة، حيث حصل على ماجستير الفقه المقارن من جامعة الأزهر عام 1971، ثم ماجستير القانون من جامعة القاهرة عام 1973، ثم الدكتوراه في الفقه المقارن بمرتبة الشرف من الأزهر عام 1975. ولم يتوقف عند هذا الحد، إذ نال دكتوراه ثانية في القانون من جامعة بغداد عام 2004.
هذا التكوين المزدوج بين الشريعة والقانون منح مشروعه الفكري خصوصية واضحة، فكان ينظر إلى النصوص الشرعية بعين الأصولي، ويحللها بأدوات القانوني، ويوازن بينها بميزان الفيلسوف.

مشروع علمي واسع الإنتاج

ترك الزلمي أكثر من خمسين مؤلفًا في الشريعة والقانون والفلسفة وحقوق الإنسان، إضافة إلى عشرات البحوث العلمية، من أبرزها: “أسباب اختلاف الفقهاء”، و”أصول الفقه الإسلامي في نسيجه الجديد”، و”فلسفة الشريعة”، و”فلسفة القانون”، و”المنطق القانوني”، و”حقوق الإنسان في الإسلام”، و”التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن”، و”الطلاق في القرآن”، و”المبادئ والحقوق الدستورية في القرآن مقارنة بالدساتير الوضعية”.

وقد درّس في المدارس الدينية وكليات القانون في الجامعة المستنصرية وجامعة بغداد وجامعة النهرين، وأشرف على أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه في الشريعة والقانون وأصول الفقه والفلسفة، كما شارك في لجان تشريعية عدة، من بينها لجان مراجعة القوانين العراقية، ولجنة إعداد الآليات للدستور العراقي الجديد عام 2005.

اجتهادات مثيرة للجدل

عُرف الزلمي بجرأته في الطرح واجتهاداته التي خالف فيها جمهور العلماء في بعض المسائل، انطلاقًا من قناعته بأن الاجتهاد ضرورة لا غنى عنها. من أبرز آرائه القول بأن الطلاق المقترن بالعدد لا يقع إلا طلقة واحدة، وأن الطلاق المعلّق بشرط أو يمين لا يقع، بل يُعامل معاملة اليمين.

أما أشهر آرائه وأكثرها إثارة للجدل فكان موقفه من قضية النسخ في القرآن الكريم، إذ ذهب إلى نفي وقوعه، مع قبوله به عقلًا، معتبرًا أن الآيات تُفهم في سياق تكاملي لا إلغائي. وقد أثار كتابه “التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن” نقاشات واسعة، وشُكلت لجنة علمية لمناقشته في أطروحاته.

كما قدّم قراءات تجديدية في مسائل شهادة المرأة والميراث، مؤكدًا ضرورة فهم النصوص في ضوء تغير الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، بما يحقق مقاصد الشريعة ويحفظ كيان الأسرة.

تكريم الأزهر… ورسالة تقدير

في عام 2013 كرّم الأزهر الشريف الدكتور الزلمي تقديرًا لجهوده العلمية ودوره في نشر الوسطية. وكان التكريم رسالة اعتزاز بعالم أزهري حافظ على انتمائه العلمي والمنهجي، وظل وفيًّا لمدرسته حتى آخر أيامه.

وقد ظل الزلمي يؤكد أن تكريمه ليس تكريمًا لشخصه بقدر ما هو تكريم لعلماء كوردستان كافة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من قرى الإقليم تضم مدارس تُدرّس المنهج الأزهري الوسطي، وأن العالم الإسلامي مدين للأزهر بدوره التاريخي في حفظ الهوية العلمية للأمة.

 

الرحيل وإرث لا يغيب

توفي الدكتور مصطفى الزلمي في أربيل يوم 4 يونيو 2016 عن عمر ناهز الثانية والتسعين. ونعته مؤسسات علمية عديدة، مشيدة بإرثه الفكري والقانوني، وبأثره في أجيال من الباحثين والقضاة وأساتذة الجامعات.
رحل الجسد، وبقيت الكتب، وبقي تلاميذ حملوا فكره، وبقيت سيرته شاهدة على عالمٍ جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء القومي والامتداد الأممي، وبين الوفاء للأزهر وجرأة الاجتهاد.

وبين أبناء الأزهر الشريف ستظل سيرة الزلمي تذكيرًا بأن الاجتهاد ثراء، وأن أدب الخلاف قيمة، وأن الأزهر – كما كان دائمًا –  سيبقى بيتًا جامعًا للعلماء من كل الأقطار، ومنهم علماء كوردستان الذين أناروا العالم بعلمهم.

بل يراه علماء الأزهر الشريف في مصر إسما محفورا في اروقته ومكتابته التي اثراها بعلمه سواء الفقهي او القانوني ،  فالدكتور الزلمى عالم من بين هؤلاء العلماء ويمثل حلقةً فريدةً؛ فقد توالت كتاباته العميقة، ومقالاته الرصينة تعالجُ أدقَّ القضايا العلمية فقهاً وأصولاً وتفسيراً؛ وأخذ يحارب الغلو وما يجرُّ إليه من تحريفٍ للحقائق الدينية وانحراف عن جادة الصواب، مستمسكاً بعروة الفهم الأصيل الذى تلقاه من علماء الأزهر الشريف.