مصطفى البارزاني زعيمٌ من زمن الثورات… سيرة قائدٍ صاغ ملامح القضية الكوردية المعاصرة

مصطفى البارزاني زعيمٌ من زمن الثورات… سيرة قائدٍ صاغ ملامح القضية الكوردية المعاصرة
مصطفى البارزاني زعيمٌ من زمن الثورات… سيرة قائدٍ صاغ ملامح القضية الكوردية المعاصرة

يصادف اليوم الاحد الأول من مارس آذار، الذكرى الـ 47 على رحيل قائد الحركة التحررية الكوردستانية والأب الروحي للشعب الكوردي الملا مصطفى بارزاني. 

في تاريخ الشعوب محطات تصنعها الأفكار، وأخرى يصنعها الرجال. وفي تاريخ الكورد خلال القرن العشرين، يبرز اسم الملا مصطفى البارزاني بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في مسار النضال القومي، وقائدًا تحوّل من زعامة محلية في جبال بارزان إلى رمز وطني يتجاوز حدود الجغرافيا.

من بارزان إلى ساحات المواجهة، وُلد الملا مصطفى البارزاني عام 1903 في منطقة بارزان بإقليم كوردستان، في بيئة دينية–عشائرية اتسمت بالروح الصوفية والنفوذ الاجتماعي، وتربّى في كنف عائلة قادت حركات مقاومة مبكرة ضد السلطات المتعاقبة.
منذ سنواته الأولى، عاش أجواء الصراع والملاحقة العسكرية، ما شكّل وعيه السياسي المبكر ورسّخ لديه مفهوم الدفاع عن الهوية والوجود. بحيث شارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد عام 1919، وكُلِف بقيادة قوة مؤلفة من 300 مقاتل، ثم تم إيفاده من قبل الشيخ أحمد بارزاني إلى الشيخ سعيد بيران في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا)، بهدف التنسيق مع الثورة التي كان قد أشعلها.

وخلال الثورات الكوردية 1931- 1932، وبهدف الدفاع عن محاور (ميركسور – شيروان) قاد قوة كبيرة لمحاربة الإنكليز، وذاع سيطهُ آنذاك كقائد عسكري ذو حنكة وخبرة كبيرتين.

وخلال الحرب العالمية الثانية، أشعل الملا مصطفى بارزاني انتفاضة مسلحة في منطقة بارزان حتى وصل عدد البيشمركة وقتها إلى 2500 مقاتل، الأمر الذي أدى إلى فقدان حكومة بغداد سيطرتها على المنطقة.

لكن بعد عام ونصف العام، تمكنت الحكومة العراقية من حشد قوة كبيرة لتعيد شن هجوم على منطقة بارزان واندلعت معارك عنيفة خلال شهر آب /أغسطس، وسبتمبر/أيلول ، حتى مطلع تشرين الأول/أكتوبر من عام 1945، وأبدت خلالها قوات البيشمركة مقاومة شرسة وانسحبت لاحقاً إلى منطقة (كاني رش) على الحدود التركية.

وفي الـ 22 من يناير/ كانون الثاني من عام 1946 وخلال مراسيم اعلان جمهورية كوردستان في مهاباد بكوردستان الشرقية (كوردستان إيران) تم تعيين ملا مصطفى بارزاني الذي كان واقفاً على يمين القاضي محمد، قائداً لجيش جمهورية كوردستان ومنح رتبة "جنرال" وساهم في بناء نواة جيش نظامي كوردستاني.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانسحاب روسيا من إيران وانتهاء جمهورية مهاباد اندلعت المعارك بين القوات الإيرانية والقوات التي كان يقودها ملا مصطفى بارزاني، وبعد مقاومة عنيفة، تمكنت القوات الكوردية من الوصول إلى المناطق الحدودية للاتحاد السوفياتي آنذاك والبقاء في هذه البلاد مدة 12 عاماً، فكانت بمثابتة اعادة تكوين بحيث اطّلع البارزاني الخالد على التجارب الدولية في التنظيم والادارة والتدريب السياسي و العسكري محافظا على استقلاليته الفكرية متمسكا بالهوية الكوردية كأولوية سياسية. 

بعد سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958، عاد البارزاني الخالد إلى العراق باستقبال شعبي وجماهيري واسع لبدأ مرحلة جديدة للقضية الكوردية، ويبدأ فصلًا سياسيًا جديدًا قائمًا على التفاوض والمطالبة بالحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية، لكن العلاقة مع الحكومة العراقية سرعان ما دخلت في توتر بسبب الخلاف وعدم الاستوفاء الحكومة العراقية بالوعود حول طبيعة الاعتراف بالحقوق القومية للكورد. 

ففي 11 ايلول 1961، انطلقت ثورة أيلول المجيدة بقيادة البارزاني ودام حرب طويل من أجل الحكم الذاتي للكورد، استمرت المعارك قرابة عقد من الزمن، بحيث كان البارزاني المرجعية السياسية والعسكرية العليا للحركة القومية الكوردية.

في عام 1968 وقع الانقلاب الثاني للبعثيين وبدأ ملا  مصطفى بارزاني والحكومة بالمفاوضات التي نجم عنها اتفاق عام 1970 الذي تضمن بنوده وفقراته  مشاركة الكورد في حكم العراق واعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية  في المؤسسات التعليمية بالاضافة الى تطبيق الحكم الذاتي في كوردستان وحكم الكورد لمناطقهم.

ففي اول اعتراف رسمي في 11 آذار 1970، تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بين الكورد بقيادة البارزاني والحكومة العراقية، بحيث اعتُبرت الاتفاقية أول اعتراف رسمي بالحقوق القومية للكورد في تاريخ العراق الحديث، ونصّت بنوده وفقراته مشاركة الكورد في حكم العراق واعتبار اللغة الكوردية لغة رسمية  في المؤسسات التعليمية بالاضافة الى تطبيق الحكم الذاتي في كوردستان وحكم الكورد لمناطقهم.

إلا أن الحكومة العراقية تنصلت من تلك الاتفاقية واتفقت لاحقاً مع إيران على معاداة الكورد ووقعتا اتفاقية الجزائر عام 1975.

وبعد عام 1975  تعرض ملا مصطفى بارزاني لوعكة صحية، توجه بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بهدف العلاج، إلا أنه في  1 آذار 1979 توفي الملا مصطفى البارزاني، لتُطوى صفحة قائدٍ ترك أثرًا عميقًا في التاريخ السياسي للكورد والعراق عمومًا. ونُقل جثمانه لاحقًا إلى بارزان، حيث لا يزال قبره مقصدًا لآلاف الزوار سنويًا.

ترك البارزاني الخالد إرث سياسي يتجاوز الزمن فلم يكن مجرد قائد عسكري، بل مؤسس مدرسة سياسية قومية قائمة على: مركزية القرار الكوردي، الجمع بين العمل المسلح والعمل التفاوضي، الحفاظ على الهوية ضمن معادلة إقليمية معقدة في مرحلة كانت فيها المنطقة تشهد تحولات كبرى.

شكّل الملا مصطفى البارزاني حجر الأساس في بلورة المشروع القومي الكوردي المعاصر، وبين البندقية وطاولة المفاوضات، كتب فصولًا أساسية من تاريخ أقلیم کورستان و العراق الحديث.

ويبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الكوردية، لا بوصفه شخصية تاريخية فحسب، بل كرمز لمرحلة صنعت ملامح واقع سياسي ما زال يتشكل حتى اليوم.