د. حمدي سنجاري
اراء
العراق أمام مفترق طرق: الوحدة الوطنية أم هاوية الفوضى؟
ثمة قلقٌ حقيقي يسكن قلب كل متابع لمسار الأحداث في منطقتنا؛ قلقٌ لا تُغذّيه المبالغة ولا تصنعه الدراما، بل تفرضه وقائع موضوعية متراكمة تُنبئ بأن المنطقة تسير نحو منعطف بالغ الخطورة. والعراق، بموقعه الجغرافي وثقله التاريخي وتنوّعه المجتمعي، ليس بمنأى عن هذا المسار، بل هو في قلبه. ولذلك، فإن السياسات الاعتيادية وردود الأفعال الارتجالية باتت عاجزةً تماماً عن مواكبة ما يجري، وما قد يجري.
في هذا السياق، جاءت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج لتُقدّم نموذجاً يستحق التأمل العميق. فدول مجلس التعاون الخليجي، التي طالما يُشكك البعض في متانة علاقاتها، أبدت في لحظة الاختبار الحقيقي وحدةً سياسية صلبة ومشهوداً لها؛ فوقفت صفاً واحداً، وتكلّمت بصوت واحد، وأرسلت رسالةً واضحة إلى العالم مفادها أن الأمن المشترك يعلو فوق أي خلاف جانبي. هذا الموقف ليس ترفاً دبلوماسياً، بل هو حصيلة عمل مؤسسي دؤوب وإدراك مشترك للمصير.
في المقابل، كان المشهد العراقي صادماً بامتياز. فحين تعرّض إقليم كوردستان للقصف، كان المنتظر أن يرتفع صوتٌ عراقي موحّد رافضٌ ومنتقد، استناداً إلى دستور صوّت عليه الملايين ونصّ صراحةً على الشراكة والتوافق. لكن ما جرى كان العكس تماماً؛ تبايُن في المواقف وضعف في الردّ وصمتٌ يُثير التساؤل. وهنا يحق لكل مواطن أن يتوقف ليسأل: أيّ وحدة هذه التي نتحدث عنها، وأيّ دستور هذا الذي نتباهى به، إن كانت أراضينا تُقصف ومؤسساتنا لا تُحرّك ساكناً؟
لا يمكن فصل هذا المشهد السياسي عن حجم الأعباء الاقتصادية والأمنية التي تنوء بها البلاد. فالأوضاع المعيشية في محافظات عديدة تُنذر بأزمات اجتماعية حقيقية، فيما يبقى شبح إغلاق مضيق هرمز سيفاً مسلطاً على الاقتصاد الوطني.
وفوق كل ذلك، لم يُقضَ على تنظيم داعش الإرهابي قضاءً نهائياً، بل لا يزال يتحيّن الفرص ويتربّص بكل ثغرة يجدها في جدار الوحدة الوطنية. وفي ظل هذه الأعباء المتراكمة، يبدو البرلمان العراقي مشغولاً بمعاركه الجانبية بدلاً من أن يكون درعاً للمواطن ومنبراً للتشريع الرشيد.
أمام الأحزاب الشيعية الكبرى اليوم تحدٍّ تاريخي بامتياز: هل تختار قيادة مرحلة الشراكة الوطنية الحقيقية؟ أم تواصل الانزلاق نحو التنافس الفئوي الضيّق؟ الإجابة ستحدد ملامح العراق لأربع سنوات قادمة. والشراكة الحقيقية المنشودة لا تعني التنازل عن الهوية أو المصلحة المشروعة، بل تعني الاعتراف بأن لا مستقبل لأحد في بلد يتشظّى، وأن الكل يخسر حين تسود الفوضى، وأن العراق بعربه وكورده وتركمانه ومكوناته جميعاً أكبر من أن يُختزل في حسابات ضيقة.
خاتمةً، أقولها بصراحة من يحمل هذا البلد في قلبه: الفوضى ليست سيناريو افتراضياً، بل هي بوابة مفتوحة تدفع إليها كل خطوة تُخطأ وكل فرصة تُهدر. لكن الأمل لم يمت، وإمكانية الإنقاذ قائمة، شريطة أن تتقدم النخب السياسية بشجاعة الاعتراف بالأخطاء وجرأة تصحيح المسار. فالتاريخ لا يرحم من يتأخر، ولا يُعوّض الشعوبَ عن الفرص الضائعة. وإن كانت وحدة الخليج في محنته درساً، فليكن للعراق في سلمه حكمةٌ أكبر. فالبلد يستحق قيادةً توقظها المسؤولية لا المصلحة، وتحرّكها الوطنية لا الزعامة، وترى في المواطن غايةً لا وسيلة، نحن أمام فرصة تاريخية لبناء شراكة وطنية صادقة، تصون الكرامة وتحقن الدماء وتفتح أبواب المستقبل، والحليمُ تكفيه الإشارة.