انتفاضة آذار 1991… منعطفٌ مصيري في تاريخ شعب كوردستان
لم تكن انتفاضة آذار عام 1991 مجرد حدث عابر في سياق الصراع السياسي، بل شكّلت تحوّلًا تاريخيًا عميقًا ومنعطفًا مصيريًا في مسيرة شعب كوردستان نحو الحرية والكرامة. فهي مرحلة مفصلية من النضال الوطني، تجسدت فيها إرادة الشعب في مواجهة القمع والاستبداد، وسعيه المشروع لنيل حقوقه القومية وتثبيت مكتسباته الوطنية.
تُعرَّف الانتفاضة، في سياقها العام، بأنها انتقال نوعي في أساليب الكفاح الشعبي، ومرحلة جديدة من الثورة والتضحية والتكاتف المجتمعي، تهدف إلى تحقيق الأهداف الوطنية والتحرر من الهيمنة، وقد تتخذ أشكالًا متعددة وفقًا للظروف السياسية والأمنية المحيطة.
البدايات الأولى
في 3 آذار 1991 سُجِّلت أولى شرارات الانتفاضة في منطقة خبات بأربيل، إثر اشتباكٍ بين الأهالي وأحد مراكز الشرطة، انتهى بالسيطرة عليه ومقتل أحد عناصره واعتقال اثنين آخرين. شكّل هذا الحدث مؤشرًا واضحًا على تصاعد حالة الغضب الشعبي واستعداد الجماهير للمواجهة.
الانطلاقة الرسمية واتساع رقعة الانتفاضة
في صباح 5 آذار 1991، عند الساعة التاسعة، انطلقت الانتفاضة رسميًا من مدينة رانية، لتتحول خلال أيام قليلة إلى حركة جماهيرية واسعة اجتاحت مدن وبلدات كوردستان تباعًا:
- 6 آذار: تحرير مناطق بازيان وأجزاء واسعة من سهل بشدر.
- 7 آذار: انتفاضة السليمانية والسيطرة على مديرية الأمن وإطلاق سراح المعتقلين.
- 8 آذار: امتداد الانتفاضة إلى جمجمال وحلبجة وعربت وعدد من المجمعات السكنية.
- 9 آذار: انتفاضة شقلاوة وكفري وكويسنجق.
- 10 آذار: شملت الانتفاضة مناطق صلاح الدين، طقطق، رواندوز، حرير، سوران، حاجي عمران، ميركسور ومناطق أخرى.
- 11 آذار: خروج جماهير أربيل منذ ساعات الصباح الأولى من أحياء مختلفة إلى الشوارع، معلنة انضمامها الكامل للانتفاضة.
- 12–13 آذار: التحاق جلولا، مخمور، عقرة، خانقين، الشيخان، زاخو، بردي، جبارە وكولاجو بركب الانتفاضة.
تحرير دهوك
في ليلة 13 على 14 آذار 1991، اتخذت قوات البيشمركة قرارًا بتنفيذ هجوم واسع على مواقع النظام في دهوك. عند الساعة الرابعة فجرًا، وُجّه نداء عبر مكبرات الصوت يدعو القوات إلى الاستسلام، مؤكدًا أن مرحلة القمع قد انتهت وأن إرادة الشعب هي الغالبة. أثار النداء حالة من الارتباك داخل المقار الأمنية، ومع انطلاق أول رصاصة باتجاه مركز المدينة، اشتعلت الانتفاضة في دهوك بقوة.
بحلول ظهر 14 آذار، كانت قوات البيشمركة قد أحكمت سيطرتها على معظم مؤسسات النظام. ورغم المقاومة التي أبداها بعض المسؤولين الأمنيين، انتهت المواجهات باستسلام من تبقى منهم. وامتدت السيطرة لتشمل المناطق المحيطة بدهوك، من زاويتة ومانكيش وسرسنك وآميدي وشيلادزه وغيرها، وصولًا إلى كاني ماسي وبرواري بالا وريكان، كما أُحكمت السيطرة على السلاسل الجبلية الاستراتيجية، وتم تطهير مواقع النظام بالكامل.
كركوك واستعادة المدينة
في 21 آذار 1991، وبالتزامن مع عيد نوروز، انتفضت جماهير كركوك وتمكنت من تحرير المدينة. إلا أن النظام أعاد السيطرة عليها بعد فترة قصيرة مستخدمًا الأسلحة الثقيلة والقوة المفرطة، وبدعم من عناصر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية التي كانت متواجدة آنذاك في بغداد.
الأثر التاريخي للانتفاضة
مثّلت انتفاضة 1991 أعظم منجز وطني وقومي في التاريخ المعاصر لشعب كوردستان. فقد مهّدت الطريق لقيام إدارة ذاتية فعلية، ورسّخت معادلة سياسية جديدة في العراق، وأثبتت قدرة الشعب على فرض إرادته رغم التحديات. وقد كُتبت صفحات هذا التحول بدماء مئات الشهداء من البيشمركة والجماهير، الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل الحرية.
لقد كانت الانتفاضة تجسيدًا حيًا لوحدة الصف الكوردستاني، ودليلًا على أن الإرادة الشعبية قادرة على صناعة التاريخ وتغيير موازين القوى، مهما بلغت التضحيات.