في ذكرى رحيل الناصر صلاح الدين ..أحفاده لا يخضعون للإستفزاز وحقوقهم تاريخية

في ذكرى رحيل الناصر صلاح الدين ..أحفاده لا يخضعون للإستفزاز وحقوقهم تاريخية
في ذكرى رحيل الناصر صلاح الدين ..أحفاده لا يخضعون للإستفزاز وحقوقهم تاريخية

في ذكرى رحيل السلطان صلاح الدين الأيوبي، تتجدد في الذاكرة صورة القائد التاريخي الذي أصبح رمزًا للشجاعة والإصرار والهوية. وفي هذه المناسبة يستحضر كثيرون معنى الصمود الذي ارتبط باسمه، ويؤكدون أن الكوردي، كما جسده صلاح الدين في شخصيته وسيرته، لا يُهزم بسهولة ولا يمكن استفزازه أو كسر إرادته. وما يحدث للكورد اليوم في بعض مناطق الشرق الأوسط،  لا يزيدهم إلا إصرارًا على التمسك بهويتهم وقوميتهم وتاريخهم العريق.

ومع انتشار الحروب والصراعات في العالم، وبخاصة في المنطقة التي ينتشر فيها الكرد بقوة ويؤثرون في عمق بلدانها سياسيًا واجتماعيًا، تأتي ذكرى رحيل أحد أعظم أبناء هذا الشعب، السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي توفي في شهر مارس عام 1193، لتؤكد أن الشخصية الكوردية لم تكن يومًا خاضعة للتيارات أو ضعيفة أمام محاولات طمس الهوية. بل ظلت، عبر التاريخ، شخصية قادرة على الصمود والحفاظ على جذورها القومية والثقافية مهما تغيرت الظروف.

لقد جسّد صلاح الدين الأيوبي هذه الروح في مسيرته العسكرية والسياسية. فالكوردي، كما تجلى في شخصه، قادر على قيادة الحروب وإدارة الدول وتحرير الأراضي. وقد أثبت ذلك عندما واجه الصليبيين وانتصر عليهم في واحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي، وهي معركة حطين عام 1187، التي مهدت الطريق لاستعادة بيت المقدس بعد احتلال دام عقودًا طويلة. وقد شكّل هذا الانتصار نقطة تحول كبرى في تاريخ الصراع بين العالم الإسلامي والصليبيين، وأعاد الثقة إلى المسلمين بعد سنوات طويلة من التراجع والانقسام.

لكن الأحداث لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد الهزيمة الكبرى التي لحقت بالصليبيين في حطين، شنّت القوى الأوروبية ما عُرف بالحملة الصليبية الثالثة، التي قادها عدد من أبرز ملوك أوروبا في ذلك الوقت، وعلى رأسهم ريتشارد الأول ملك إنجلترا المعروف بلقب “قلب الأسد”. وخلال تلك الحملة تمكن الصليبيون من الاستيلاء على مدينة عكا، كما دارت عدة معارك بين الجانبين، كان من أبرزها معركة أرسوف عام 1191 التي تعرض فيها جيش صلاح الدين لخسارة عسكرية، إضافة إلى معارك أخرى في يافا. ومع ذلك لم تنته المواجهة بهزيمة حاسمة لأي من الطرفين، بل انتهت بعقد صلح الرملة عام 1192 بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، والذي سمح للمسيحيين اللاتين بزيارة القدس للحج، في إطار تسوية سياسية أنهت مرحلة من الصراع العسكري المباشر.

وفي استحضار هذه الذكرى التاريخية، يرى كثيرون أن ما يتعرض له الكورد في بعض الدول اليوم لا يمكن أن ينجح في كسر إرادتهم أو إضعاف حضورهم في المنطقة، لأنهم أصحاب أرض وهوية وتاريخ طويل. ومن هنا تصبح ذكرى صلاح الدين الأيوبي أكثر من مجرد مناسبة تاريخية؛ فهي تذكير بقوة الإرادة والقدرة على تجاوز الأزمات، كما أنها تعكس طبيعة الشخصية الكردية التي تجمع بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخرين.

ويُعد السلطان صلاح الدين الأيوبي، واسمه الحقيقي يوسف بن أيوب، واحدًا من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي والإنساني. فقد وُلد في قلعة تكريت في العراق لعائلة كوردية تنتمي إلى قبيلة الروادية، ونشأ في بيئة علمية وعسكرية شكلت ملامح شخصيته القيادية في وقت مبكر. وعلى الرغم من أن مشروعه السياسي والعسكري كان قائمًا على توحيد الأمة الإسلامية بمختلف أعراقها وقومياتها، فإن أصوله الكوردية ظلت جزءًا واضحًا من هويته الشخصية ومن شبكة العلاقات التي اعتمد عليها في بناء دولته.

وقد أشار الخبير الاستراتيجي اللواء سمير فرج في حديث سابق إلى أن الكوردي يستند إلى تاريخ عميق وهوية قوية، وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على الصمود والتأثير في محيطه، خاصة في العالم العربي والشرق الأوسط. وهذه الفكرة تعكس واقعًا تاريخيًا واجتماعيًا يؤكد أن الكورد ليسوا ظاهرة عابرة في المنطقة، بل شعب كبير يُقدّر عدده بعشرات الملايين، ينتشر في عدة دول رئيسية هي العراق وتركيا وإيران وسوريا.

صلاح الدين لم يكن قائدًا متعصبًا لقومية بعينها، فإنه كان يثق بالكثير من القادة والفرسان الكرد الذين شاركوه بناء دولته. فقد اعتمد في جيشه على عدد كبير من الأمراء الكورد، ومن بينهم أبناء قبائل الهكارية والزرزارية، ومنحهم مواقع قيادية مهمة في الإدارة والجيش.

وقد أسهم ذلك في تعزيز حضور الكورد في مؤسسات الدولة الأيوبية التي امتدت من مصر إلى الشام واليمن والحجاز، وأصبحت واحدة من أقوى الدول في العالم الإسلامي آنذاك.

ولم تقتصر مكانة صلاح الدين على إنجازاته العسكرية فقط، بل امتدت أيضًا إلى سلوكه الأخلاقي الذي جعله مثالًا للفروسية والنبل حتى في نظر خصومه. فقد عُرف عنه الكرم والتسامح والوفاء بالعهود، وهي صفات جعلت اسمه يحظى باحترام كبير في التاريخين الإسلامي والأوروبي على حد سواء. وقد ساهمت هذه الصورة الأخلاقية في رفع مكانة الكورد في الوعي العالمي، إذ أصبح اسم صلاح الدين مرتبطًا بالشجاعة والشهامة والعدل.

كما أن نجاحه في توحيد مصر والشام والعراق تحت راية واحدة شكّل خطوة استراتيجية مهمة في مواجهة الخطر الصليبي. فقد أدرك أن الانقسام بين القوى الإسلامية كان أحد أهم أسباب تقدم الصليبيين في المنطقة، ولذلك عمل لسنوات طويلة على إعادة بناء جبهة إسلامية موحدة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية. وقد اعتمد في ذلك على مزيج من القوة العسكرية والسياسة الحكيمة، إضافة إلى بناء قاعدة اقتصادية قوية، خاصة في مصر التي أصبحت مركزًا مهمًا للدعم العسكري والمالي.

ومن أبرز إنجازاته العسكرية معركة حطين التي تُعد واحدة من أهم المعارك في التاريخ. ففي صيف عام 1187 استطاع صلاح الدين أن يستدرج الجيش الصليبي إلى سهل حطين بعد أن قطع عنه مصادر المياه، وهو ما أدى إلى إنهاك القوات الصليبية قبل بدء المواجهة الحاسمة. وفي تلك المعركة أظهر الفرسان المسلمون، ومن بينهم الكورد والعرب والترك، شجاعة كبيرة أدت إلى هزيمة الجيش الصليبي وأسر عدد من قادته البارزين، وهو ما فتح الطريق أمام استعادة القدس.

وعندما دخل صلاح الدين مدينة القدس بعد ذلك الانتصار، قدّم نموذجًا مختلفًا تمامًا عن صورة الفاتح المنتقم. فبدلًا من الانتقام للمذابح التي ارتكبها الصليبيون عندما احتلوا المدينة قبل نحو تسعين عامًا، اختار أن يتعامل بروح التسامح، فأمّن سكان المدينة ومنحهم الأمان، وسمح للكثير منهم بالخروج مقابل فدية بسيطة. وقد اعتبر المؤرخون هذا الموقف واحدًا من أبرز الأمثلة على التسامح في تاريخ الحروب.

ورغم كل هذه الانتصارات والإنجازات، عاش صلاح الدين حياة بسيطة نسبيًا، وعندما توفي لم يترك في خزانته سوى القليل من المال. لكنه في المقابل ترك إرثًا تاريخيًا ضخمًا جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة العالم حتى اليوم، بوصفه قائدًا استطاع أن يجمع بين القوة العسكرية والأخلاق الرفيعة.

وقد اهتم بعض الباحثين المعاصرين بدراسة الظروف الصحية التي أدت إلى وفاة صلاح الدين الأيوبي. ففي أحد المؤتمرات الطبية العالمية تناول عدد من الأطباء شخصية السلطان ضمن دراسات تهدف إلى تحليل أسباب وفاة الشخصيات التاريخية. ومن بين هؤلاء الطبيب ستيفن جلوكمان من كلية الطب في جامعة بنسلفانيا، الذي جمع معلومات تاريخية وطبية عن الأيام الأخيرة في حياة السلطان.

وبحسب هذه الدراسة، فإن صلاح الدين عانى في أواخر حياته من نوبات حمى غامضة أدت إلى تدهور حالته الصحية بشكل سريع. فقد ظل طريح الفراش قرابة شهر كامل، وكان يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وآلام في البطن وفقدان الشهية وعسر الهضم، إضافة إلى الصداع والنزيف. ومع تقدم المرض أصبح يعاني من تشوش في الوعي في اليومين السابع والثامن، ثم بدأ يفقد وعيه تدريجيًا مع تعرق شديد حتى توفي في اليوم الرابع عشر من المرض.

وأشار الطبيب إلى أن الأعراض المسجلة في المصادر التاريخية لا تتوافق مع أمراض مثل الجدري أو الطاعون أو السل، وهو ما جعل الاحتمال الأقرب لسبب الوفاة هو الإصابة بحمى التيفوئيد، وهي مرض تسببه بكتيريا السالمونيلا التيفية.

وعلى الجانب العلمي والثقافي، لم يكن صلاح الدين مجرد قائد عسكري، بل كان أيضًا رجل علم وثقافة. فقد تعلم علوم عصره على أيدي كبار العلماء في بلاد الشام والجزيرة، وحفظ القرآن الكريم ودرس الفقه وعلوم الحديث. وكان من بين العلماء الذين تتلمذ عليهم قطب الدين النيسابوري، وهو أحد أبرز علماء ذلك العصر.

كما تأثر صلاح الدين كثيرًا بالقصص التي كان يرويها له والده عن أبطال الإسلام والمجاهدين، وهو ما ساهم في تشكيل وعيه المبكر بفكرة الجهاد والدفاع عن الأمة. وكان للقائد نور الدين زنكي تأثير كبير في مسيرته، إذ ورث عنه مشروعه السياسي والعسكري القائم على مواجهة الصليبيين وتوحيد الجبهة الإسلامية.

وقد عُرف عن صلاح الدين التزامه الديني الشديد، إذ كان حريصًا على أداء صلاة الجماعة باستمرار، كما يذكر قاضيه ومؤرخ سيرته ابن شداد. وكان شديد الزهد في المال، حتى إن الزكاة لم تجب عليه في كثير من الأحيان لأنه لم يكن يحتفظ بثروة كبيرة.

وهكذا رحل صلاح الدين الأيوبي عن الدنيا، لكنه ترك وراءه قصة تاريخية ما زالت تلهم الأجيال حتى اليوم. فقد أثبت أن القيادة الحقيقية لا تقوم فقط على القوة العسكرية، بل على الأخلاق والعدل والقدرة على توحيد الناس حول هدف مشترك. ولهذا بقي اسمه واحدًا من أكثر الأسماء إشراقًا في تاريخ الإسلام، كما ظل رمزًا بارزًا في ذاكرة الشعب الكوردي والتاريخ الإنساني على حد سواء

عشرات الكتب تناولت مسيرته نشأته وحتى مرضه الذى كتب عنه "بهاء الدين بن شداد" فى كتابه "سيرة صلاح الدين" قال إنه لما كانت ليلة "الأربعاء" ـ السابع والعشرين من "صفر" سنة تسع وتمانين وخمسمائة، وهى الليلة الثــانية عشرة من مرضه، ضعفت قوته، ووقع فى أوائل ـ الموت ـ من أول الليل، وكان بجواره "الشيخ أبو جعفر" يقرأ القرآن، ولما بلغ قوله تعالى "لاإله إلا هو عليه توكلت" تبسم ـ القائد البطل المجاهد ـ وتهلل وجهه وسلمها إلى ربه، وكان يوم موت "صلاح الدين" رهيبا، لم يعرف المسلمون مثله منذ فقدهم الخلفاء الراشدين، وكان يوما عظيما على الناس، ودفن فى مدينة "دمشق" التى أحبها حيا فاحتوته ميتا.