د. كوفند شيرواني
أستاذ جامعي
هرمز يشدد الخناق على الاقتصاد العالمي
أشتعلت حرب اسرائيل والولايات المتحدة ضد ايران صباح يوم السبت 28 فبراير (شباط) 2026 بضربات جوية عنيفة و واسعة النطاق أستهدفت مؤسسات عسكرية ونووية وقيادات عسكرية ايرانية رفيعة المستوى. وقد اطلقت الولايات المتحدة على الهجوم العسكري المشترك مع اسرائيل على الاهداف الايرانية اسم الغضب الملحمي ( Epic Fury ). جاء الرد الايراني باستهداف مواقع اسرائيلية وقواعد أمريكية بعملية أسمتها ايران (الوعد الصادق) .
منذ اندلاع هذه الحرب, أصبح مضيق هرمز الواقع في الخليج العربي محور أهتمام وتركيز وسائل الإعلام بكافة أنواعها, المرئية والمسموعة والورقية, وتوسعت الاهتمام بالحرب زاحداثها المتسارعة لتشمل المحللين السياسيين وخبراء الاستراتيجيات والعلوم العسكرية والاقتصاد والطاقة وغيرهم.
يمتد مضيق هرمز بين الخليج العربي (المعروف تاريخيا باسم خليج البصرة) وخليج عمان, ويمثل هذا المضيق الممر البحري الوحيد بين الخليج العربي والبحار المفتوحة (بحر العرب والمحيط الهندي) وهو واحد من أهم مسارات الملاحة البحرية في العالم , حيث تمر عبره قرابة الـ (11%) من التجارة العالمية .
يحد المضيق من الشمال الأراضي الإيرانية ومن الجنوب سلطنة عمان و دولة الإمارات العربية المتحدة. يصل طول المضيق إلى (167) كيلو متر, فيما يتراوح عرضه بين 39 -96 كم , وفي أضيق المواقع يقل العرض إلى (33) كم فقط, والممرالملاحي في اتجاهين لسير السفن يبلغ عرضه حوالي ثلاث كيلو مترات.
المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز
يمر عبر مضيق هرمز حوالي 20% من الطلب العالمي للنفط (تعادل 20 مليون برميل في اليوم), وقد توقف أو تعذر تصدير هذه الكميات بسبب إغلاق المضيق من قبل الحرس الثوري الإيراني (IRGC) مباشرة بعد إشتعال الحرب الإيرانية الأخيرة. الدول المعتمدة على كميات النفط المصدر من خلال المضيق هي: الصين (7 ملايين برميل), الهند (3 ملايين برميل), كوريا الجنوبية (2.4 مليون برميل), وباقي دول آسيا ( 2.4 مليون برميل).
أما المصدرين الاساسيين للنفط في الخليج والذي يسوق عبر مضيق هرمز فهم, بحسب ترتيب نسب التصدير: المملكة السعودية (37%), العراق (22.8 %), الإمارات العربية (13 %), الكويت (10%), قطر (4%). وهذه الدول الخمسة تصدر مجتمعة ما مجموعه (94%) من النفط الخام المصدر عبر المضيق.
ومن الجدير بالذكر أن إغلاق المضيق من قبل الحرس الثوري الإيراني (IRGC) منذ يوم 28 شباط , قد حرم اسواق الطاقة العالمية من (20 مليون برميل نفط يوميا), وهذه الكمية لا يمكن تعويضها بزيادة الانتاج النفطي من دول أخرى, سواء كانت من منظمة الأوبك OPEC أو من خارجها.
أما الغاز الطبيعي, فدولة قطر تمثل ثاني أكبر منتج له في العالم, اذ تنتج قطر بحدود (205) مليار متر مكعب في اليوم الواحد, والذي يعادل (20%) من التجارة العالمية للغاز المسال ((LPG, وهناك كميات إضافية تنتجها دول أخرى في الخليج وبالتالي يصبح المجموع (25%) من الطلب العالمي للغاز والذي كان يصدر عبر مضيق هرمز.
ويعتبر العراق من الدول الغنية بالنفط وكذلك الغاز الطبيعي, فاحتياطياته الضخمة من الغاز الطبيعي تصل الى (132) تريليون قدم مكعب قياسي, ما يجعله يحتل المرتبة (11) على مستوى العالم من حيث احتياطيات الغازالطبيعي. ومنذ تحرير العراق في العام 2003, لم يحظ استثمار الغاز الطبيعي باهتمام كبير من قبل وزارة النفط , ونتيجة لذلك لايزال العراق يستورد كميات محدودة من الغاز الطبيعي من دولة مجاورة ليغطي حاجة عدة محطات للكهرباء في البلاد. صرحت وزارة النفط العراقية مؤخرا أنها أحرزت تقدما في استثمار الغاز المصاحب للنفط وصلت نسبته إلى (70%) في عدد من الحقول النفطية في جنوب العراق.
الحرس الثوري الإيراني يغلق هرمز
قام الحرس الثوري الإيراني في 28 شباط الماضي, بإرسال رسائل تحذير تضمنت استهداف أية سفينة ناقلة نفط أو سفينة تجارية أو غيرها تحاول عبور مضيق هرمز. بعدها بأيام, تم استهداف عدة سفن حاولت الإقتراب من المضيق. التصريحات الرسمية اللاحقة للحرس الثوري لم تؤكد قيامها بإغلاق المضيق وعوضا عن ذلك أفادت هذه التصريحات بأن المضيق لم يعد مكانا آمنا بسبب التهديدات العسكرية الأمريكية في المنطقة !!
وبعد فترة وجيزة صرح وزير الخارجية الإيراني السيد (عباس عراقجي) أن بلاده إيران لم تقم بإغلاق مضيق هرمز ولم يضف أي تعقيب على بيانات الحرس الثوري. وفي اليوم الثالث من آذار (مارس) الجاري, أعلن الحرس الثوري رسميا قيامه بإغلاق المضيق مؤكدا أن أية سفينة تحاول دخول المضيق سيتم استهدافها.
وبتيجة لإغلاق المضيق أصبح (20%) من إمدادات النفط و (25%) من صادرات الغاز الطبيعي في حالة خطر وشكلت نقصا ملحوظا لكل من النفط والغاز في أسواق الطاقة العالمية.
وبعد عدة أيام من إغلاق المضيق ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي العالمية بنحو (50%), وبسبب تعذر التصدير قامت سلطات الغاز في قطر بإيقاف الإنتاج من حقولها الغازية. أما أسعار النفط فقد أستمرت بالارتفاع بسرعة لتتجاوزحاجز الـ (100) دولار للبرميل الواحد في اليوم الثامن من شهر آذار, أي خلال أقل من 10 أيام من اندلاع حرب ايران.
أضرار إغلاق مضيق هرمز
شكل اغلاق مضيق هرمز مادة دسمة لوسائل الإعلام, حيث نشرت مقالات متعددة في الصحف والمنصات الإلكترونية وفي القنوات الفضائية تضمنت تحليلات حول الحرب الإيرانية وتداعياتها, خاصة بعد إغلاق المضيق بشكل فعلي, وأن هذا الإغلاق قد خلق مخاطر جادة وكلف مالية متراكمة على كافة السفن التي تنتظر في منطقة الخليج العربي وعددها أكثر من 150 سفينة وناقلة نفط وعشرات السفن الأخرى في خليج عمان.
وذكت انباء مسربة, أن الحرس الثوري الأيراني لم يستخدم السفن البحرية العسكرية لإغلاق المضيق وإنما أستعان بالعشرات من الطائرات المسيرة (الدرونات) الأرخص كلفة وجمعها قرب المضيق لتصبح جاهزة للهجوم على أية سفينة تحاول المرور عبر المضيق.
من أبرز نتائج إغلاق المضيق, أن نسبة (20%) من إمدادات النفط و (25%) من صادرات الغاز الطبيعي أصبحت في حالة خطر وشكلت نقصا ملحوظا لكل من النفط والغاز في أسواق الطاقة العالمية. فبعد عدة أيام من إغلاق المضيق ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي العالمية بنحو (50%), وبسبب تعذر التصدير قامت سلطات الغاز في قطر بإيقاف الإنتاج من حقولها الغازية. أما أسعار النفط فقد أستمرت بالارتفاع بشكل متسارع تجاوزحاجز الـ (100) دولار للبرميل الواحد في اليوم الثامن من شهر آذار, أي خلال أقل من 10 أيام من اندلاع حرب ايران.
الأمر الذي يبعث على التفاؤل, أن بعض دول الخليج العربي تمتلك مسارات بديلة لتصدير النفط. فالمملكة العربية السعودية تمتلك خط أنابيب يمتد من شرق البلاد الى غربها يمكن ان ينقل (5) ملايين برميل نفط يوميا من حقول النفط في منطقة الظهران الى ميناء ينبع غربا, على سواحل البحر الأحمر. وفي أحدث تصريح لشركة أرامكو السعودية في التاسع من آذار (مارس), أشارت الشركة الى تشغيل هذا الخط بكامل طاقته التصديرية خلال يومين. أما الإمارات العربية فقد أعدت سابقا خطوط أنابيب مساندة للتصدير تربط حقول النفط في أبوظبي بميناء الفجيرة على سواحل خليج عمان. وهذا الخط له القدرة على نقل نصف الصادرات النفطية لدولة الإمارات.
ومن الأضرار الأخرى لإغلاق المضيق هو فقدان (11%) من التجارة العالمية التي كانت تنقل العديد من البضائع والسلع من وإلى دول الخليج العربي. دولة إيران نفسها ستفقد, بإغلاق المضيق, أغلب صادراتها النفطية البالغة (1.5) مليون برميل/يوم وحوالي (70%) من تجارتها الخارجية, كما أن بلدانا في مناطق أخرى في العالم أيضا ستواجه اضطرابات وركود في التجارة العالمية مع تعثر سلاسل إمدادات السلع والمواد عبر هذا المنفذ االتجاري الحيوي.
ستكون لاغلاق المضيق تبعات سياسية كذلك, فإن هذه الخطوة التي نفذتها إيران ستحمل معها رسائل عدائية إلى أغلب دول العالم وستشكل صدمة قوية على أسواق الطاقة العالمية, حيث ستتحمل عدة دول في آسيا القدر الأكبر من الخسائر المادية.
وسيعمل إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع التضخم في كلف البضائع والخدمات عبر العالم وسيسبب أضرارا للاقتصادات الضخمة لعدة دول بما فيها الصين والهند واليابان. وهذه الدول تمثل أكبر المستوردين للنفط الذي ينقل عبر مضيق يعتبر أحد الشرايين الحيوية للتجارة العالمية.