شَمال آكريي
كاتب
صورة البارزاني التي لا تشيخ: شهادة الجواهري والسياب
في عمل بحثي وأدبي لافت، يفتح الكاتب والباحث القدير إسماعيل بادي نافذة مضيئة على حقبة غنية من تاريخ العراق الثقافي والسياسي، وذلك عبر صفحات كتابه الصادر حديثا "البارزاني في مرآة الشعر العراقي: قراءة في شعر الجواهري والسياب". هذا الكتاب، الذي يُعد إضافة نوعية للمكتبة العربية والكردية، ليس مجرد دراسة نقدية، بل هو رحلة عميقة في الذاكرة والوجدان، ووثيقة تاريخية وإنسانية تسبر أغوار العلاقة الفريدة التي ربطت بين القائد الكردي التاريخي الملا مصطفى البارزاني، واثنين من أهرامات الشعر العربي في العصر الحديث، محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب. بجهد بحثي واضح، وحس أدبي مرهف، وإدراك عميق لأهمية الكلمة ودورها في صناعة الوعي، نجح إسماعيل بادي في تقديم عمل يتجاوز السرد التقليدي ليغوص في أعماق النصوص الشعرية، ويستنطق المواقف الإنسانية، كاشفا كيف تحولت شخصية البارزاني الكاريزمية، وصمود الشعب الكردي ونضاله من أجل حقوقه، إلى مصدر إلهام شعري وموقف أخلاقي لدى قمتين من قمم الإبداع العراقي، في زمن كانت فيه المواقف الصريحة والواضحة تكلف أصحابها الكثير.
يخصص الكتاب حيّزا كبيرا ومهما للعلاقة الاستثنائية التي جمعت بين "شاعر العرب الأكبر" الجواهري والزعيم الكردي البارزاني، وهي علاقة تجاوزت حدود السياسة والبروتوكولات. يوضح بادي بدقة الباحث ورؤية الأديب أن هذه العلاقة لم تكن مجرد تلاقح سياسي عابر تفرضه الظروف، بل كانت علاقة إنسانية عميقة، غذّتها تجربة المنفى المشتركة، والشعور بالظلم، والإيمان الراسخ بحق الشعوب في تقرير مصيرها. في مناخ سياسي كانت فيه الأصوات القومية المتعصبة هي الأعلى صوتا، وفي ظل خطاب كان يميل إلى التشكيك والتخوين، اختار الجواهري، بصلابته المعهودة وجرأته الشعرية، أن يقف موقفا واضحا لا لبس فيه إلى جانب القضية الكردية، معبرا عن ذلك في قصائد خالدة أصبحت جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية العراقية بكل أطيافها. لم يرَ الجواهري في البارزاني مجرد قائد عسكري أو زعيم لحركة تحرر وطني، بل رأى فيه رمزا للنضال الشعبي ضد الظلم، وصوتا للكرامة الإنسانية، وأيقونة للصمود في وجه الطغيان. تتجلى هذه الرؤية بأبهى صورها في قصيدته الأيقونية "كوردستان.. موطن الأبطال"، التي ألقاها في مؤتمر لطلبة الكرد في ألمانيا عام 1962، والتي تعتبر بحق من أروع ما قيل في التضامن الإنساني. يقتبس الكتاب ببراعة من هذه الملحمة الشعرية، حيث يفتتحها الجواهري بتعبير صادق يذيب كل الحواجز، معلنا انتماءه الوجداني الكامل:
قَلبي لِكُردِستانَ يُهدى وَالفَمُ
وَلَقَد يَجودُ بِأَصغَرَيهِ المُعدَمُ.
لم يكن هذا البيت مجرد استعارة شعرية، بل كان إعلانا صريحا لموقف نادر وشجاع في تلك الفترة. ويستمر الجواهري في ذات القصيدة ليحول الجغرافيا والتاريخ إلى ملحمة شعرية، فيرسم صورة أسطورية للشعب الكردي وقائده، معتبرا إياهم أسطورة تتحدى الزمن، فيقول:
يا أَيُّها الجَبَلُ الأَشَمُّ تَجِلَّة
وَمَقالُهُ هِيَ وَالتَجِلَّةُ تَوأَمُ
شَعبٌ دَعائِمُهُ الجَماجِمُ وَالدَمُ
تَتَحَطَّمُ الدُنيا وَلا يَتَحَطَّمُ.
لقد أبدع الكاتب إسماعيل بادي في تحليله لهذه العلاقة، موضحا أنها قدمت "نموذجا مضادا يثبت إمكانية التفاهم والاحترام المتبادل" في زمن كانت فيه العلاقات الكردية – مع الحكومة العراقية متوترة، مما يجعل من هذا الجزء من الكتاب درسا بليغا في بناء الجسور الثقافية والإنسانية بين العرب والكرد، وشهادة على أن الإيمان المشترك بالحرية والعدالة أقوى من أي اختلاف.
ثم ينتقل الكتاب ببراعة المحلل النقدي إلى شاعر عراقي عظيم آخر، وهو رائد الحداثة الشعرية بدر شاكر السياب، ليقدم قراءة جديدة ومختلفة، ويطرح سؤالا محوريا: "هل كتب السياب عن مصطفى البارزاني؟". وعلى الرغم من أن السياب لم يذكر البارزاني بالاسم الصريح كما فعل الجواهري، فإن بادي يقدم تحليلا نقديا معمقا ومقنعا يثبت أن روح البارزاني ونضاله كانت حاضرة بقوة في شعر السياب، ولكن من خلال الرمزية العميقة التي تميز بها شعره. يتركز التحليل بشكل خاص على قصيدة "على شيرين"، حيث يتحول جبل شيرين، الواقع في قلب منطقة بارزان، من مجرد مكان جغرافي إلى رمز كثيف الدلالة للمقاومة والصمود والمعاناة. يرى بادي أن السياب، الذي عانى مرارة الظلم والمرض والغربة، وجد في المشهد الكردي وصمود أهله في وجه قسوة الطبيعة والطغيان صدى لمعاناته الشخصية ونضاله من أجل وطن أوسع. في قصيدته، يرسم السياب لوحة شعرية قوية، تمتزج فيها قسوة الطبيعة بصلابة الإرادة الإنسانية، حيث يقول:
وَلَح (شِرينُ) في الظَلامِ تَحسَبُه
أَكداسَ غَيم تُغَطّي جانِبَ الوادي
حَتّى استَقَرَّت عَلى (شيرينَ) وَانتَصَبَت
ما بَينَ تِلكَ الذُرى في زِيِّ (أَكرادِ).
كما يستحضر السياب في قصيدته "وحي النيروز" شخصية "كاوا الحداد" الأسطورية، رمز الثورة الكردية ضد الطغيان، ويوجه خطابه مباشرة للشعب، في تلميح واضح لوحدة النضال ضد الظلم في كل مكان وزمان:
يا شَعبَ (كاوا) سَلِ الحَدادَ كَيفَ هَوى
صَرحٌ عَلى الساعِدِ المَفتولِ يَنهارُ؟.
إن قدرة الكاتب إسماعيل بادي على فك شفرات الرمز في شعر السياب، وربطها بالسياق التاريخي والنضالي لشخصية البارزاني، تفتح آفاقا جديدة لفهم هذا الشعر العظيم وتكشف عن عمق إنسانيته وتضامنه الذي يتجاوز الحدود الضيقة، ليجعل من النضال الكردي جزءا من النضال الإنساني الأكبر من أجل الحرية.
في المحصلة النهائية، يمكن القول إن كتاب "البارزاني في مرآة الشعر العراقي" ليس مجرد دراسة أدبية، بل هو عمل توثيقي مهم يضيء على جانب مشرق من تاريخ العراق الحديث، ويقدم شهادة حية على أن الثقافة والفن قادران على بناء جسور من التفاهم والتضامن أقوى من كل محاولات الفرقة والانقسام. لقد قدم لنا الكاتب إسماعيل بادي، بأسلوبه السلس وتحليله العميق ورؤيته الثاقبة، مرجعا لا غنى عنه للباحثين في الأدب والتاريخ والسياسة، وعملا ملهما لكل من يؤمن بوحدة المصير الإنساني وقوة الكلمة الصادقة في مواجهة الظلم. إنه بحق كتاب يستحق القراءة والثناء، ليس فقط لما يقدمه من معلومات وتحليلات قيمة، بل لأنه يعيد للشعر دوره الحقيقي كمرآة للشعوب، وضمير للأمة، وصوت للإنسانية في أسمى تجلياتها.