العراق يختنق: هرمز يُغلق الجنوب وبغداد تُغلق الشمال

العراق يختنق: هرمز يُغلق الجنوب وبغداد تُغلق الشمال
العراق يختنق: هرمز يُغلق الجنوب وبغداد تُغلق الشمال

للمرة الأولى منذ عقود، توقفت صادرات العراق النفطية التي تُشكّل أكثر من 90% من إيرادات الدولة. خزانات التخزين امتلأت، والناقلات عجزت عن الوصول إلى الموانئ الجنوبية. الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أغلقت مضيق هرمز، وحوّلت أكبر شريان طاقوي في العالم إلى ساحة صراع لا يملك العراق فيها ورقةً واحدة. وفجأةً، وجد العراق نفسه محاصراً من البحر، ومن الداخل أيضاً.

منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، انهارت صادرات العراق النفطية الجنوبية بنحو 70%؛ إذ تراجع الإنتاج من 4.3 مليون برميل يومياً إلى نحو 1.3 مليون برميل وفق مصادر من داخل شركة نفط البصرة. هذا الانهيار نتيجة حسابية بسيطة: مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية بات تحت سيطرة إيرانية فعلية، وطهران تستخدمه ورقةَ ضغط كأي سلاح في ترسانتها.

من الخطأ توقع عودة الأوضاع إلى طبيعتها قريباً. شركات التأمين الكبرى ترفض تغطية الناقلات العابرة للمنطقة، والناقلات ذاتها تحجم عن المجازفة. الثقة في أمن الممر الجنوبي لن تعود بقرار سياسي وحده، بل تحتاج استقراراً حقيقياً وضمانات أمنية طويلة الأمد.

لجأت بغداد إلى استكشاف إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس، الممتد نحو 850 كيلومتراً نحو ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط. الفكرة مغرية نظرياً، لكنها غير قابلة للتطبيق عملياً. الخط لم يعمل بانتظام منذ عقود، ودمّرت الحرب السورية معظم بنيته التحتية، فضلاً عن أن الأوضاع الأمنية لا تزال هشة. وقد أكد مسؤولون سوريون أنفسهم أن الخط ليس أولوية حالية، وأن البنية التحتية المتهالكة تحول دون أي جدولة زمنية واقعية.

الخيار الوحيد الجاهز هو كركوك-جيهان. يبقى أمام العراق خيار واحد ناضج: خط أنابيب كركوك-جيهان عبر إقليم كوردستان نحو ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. بطاقته التي تتراوح بين 200 و250 ألف برميل يومياً، وبحسب تصريحات وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، يمكن أن يكون جاهزاً للتشغيل خلال أيام. إنه الأسرع والأقل تكلفةً والأكثر أماناً من بين جميع البدائل.

لكن هنا تكمن المفارقة: بغداد التي تطلب بإلحاح استخدام هذا الطريق، هي ذاتها التي أمضت أشهراً في فرض حصار اقتصادي على الإقليم الذي تطلب منه العون الآن.

منذ مطلع عام 2026، طبّقت بغداد منظومة الجمارك الإلكترونية (ASYCUDA) بصورة مفاجئة وأحادية الجانب، دون تنسيق مع الإقليم، مما أفضى إلى ما وصفته مصادر كوردية بـ«حصار الدولار»، إذ بات التجار في كوردستان غير قادرين على الوصول إلى الدولار بسعر البنك المركزي الرسمي. وزاد على ذلك نصب نقاط تفتيش جمركية في مناطق الموصل وكركوك وديالى تقطع حركة التجارة. وتُشير وزارة مالية إقليم كوردستان إلى أن موظفي الإقليم لم يتقاضوا رواتبهم سوى ثمانية أشهر طوال عام 2025، في حين يتقاضى نظراؤهم في بغداد رواتبهم في موعدها دائماً.

وفي بيان صريح نشرته وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم بتاريخ 15 مارس 2026، ردّت على اتهامات وزارة النفط الاتحادية بأن «الإقليم غير مستعد للتصدير»، مؤكدةً أن الإقليم أعلن استعداده للمساعدة في كل مناسبة، غير أن بغداد تتجاهل النداءات. وأشار البيان إلى أن ميليشيات شنّت مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على حقول النفط والغاز الكوردية، وأن بعض منفذيها يتقاضون رواتبهم من بغداد ذاتها.

في هذا المشهد، دعا الرئیس مسعود بارزاني في رسالة أصدرها السادس عشر من مارس 2026 الحكومةَ الاتحادية وحكومة الإقليم إلى «الجلوس معاً لحل الإشكاليات والتوصل إلى اتفاق»، محذراً من أن استمرار الانقسام لن يضر الإقليم وحده بل العراق كله. كذلك قدّم رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني مقترحاً يجمع بين ضخ النفط عبر الخط الشمالي ورفع الحصار الجمركي، وهو مقترح أيّده خبراء الخزانة الأمريكية والبنك المركزي العراقي ذاته قبل أن يرفضه رئيس الوزراء السوداني. رفضٌ يشبه من يرفض طوق النجاة في عرض البحر.


ما يحتاجه العراق اليوم اتفاق واضح وسريع مع إقليم كوردستان: يُرفع فيه الحصار الاقتصادي، وتُحترم فيه الحقوق الدستورية للإقليم، ويُفتح عبره خط الأنابيب. هذا الاتفاق ليس منّةً من بغداد، بل ضرورة وجود.

وعلى المدى البعيد، فإن الاستثمار في توسيع طاقة خط كركوك-جيهان ليتجاوز مليون برميل يومياً سيمنح العراق مساراً استراتيجياً دائماً نحو السوق الأوروبية، بعيداً عن مخاطر هرمز وتقلبات الخليج. الشراكة الحقيقية مع كوردستان ليست ترفاً سياسياً، إنها ضمانة اقتصادية للعراق كله.

ربما تكون هذه الأزمة فرصةً لا تتكرر: لأن تعترف بغداد بأخطائها وتصحح المسار. الشعب الكوردي الذي صبر سنوات على تأخير رواتبه وحصار اقتصاده، لا يزال ممثلوه يمدون يد العون. هذه السماحة لا تُقابَل بالمزيد من التعنت، بل تستحق ردّاً بالمثل، قبل فوات الأوان.