نوروز وعيد الفطر... مانيفستو كوردستان لتدويل ثقافة التعايش في زمن الصراع

نوروز وعيد الفطر... مانيفستو كوردستان لتدويل ثقافة التعايش في زمن الصراع
نوروز وعيد الفطر... مانيفستو كوردستان لتدويل ثقافة التعايش في زمن الصراع

في اللحظة التاريخية التي تتشابك فيها خرائط الصراع الإقليمي وتتكاثف سحب الأزمات فوق الشرق الأوسط لم يعد تزامن نوروز مع عيد الفطر في إقليم كوردستان مجرد مصادفة في التقويمين الشمسي والقمري بل تحول إلى حدث سياسي وإنساني مكثف يُقرأ بميزان المعاني العميقة وتُفهم رسائله فيما وراء النص المكتوب.

إن هذا التلاقي بين رمزية الانبعاث القومي الكوردي المتأصلة في نوروز وبين القيم الروحية والكونية لعيد الفطر منح الخطاب السياسي في الإقليم بعداً استراتيجياً يتجاوز لغة التهاني التقليدية فما صدر من مواقف وقراءات لم يكن مجرد صدى لمناسبة عابرة بل كان خطاباً محسوباً بدقة في توقيت بالغ الحساسية يطرح الاستقرار كخيار وجودي والتعايش كضرورة أمنية لا ترفاً اجتماعياً. لقد نجحت كوردستان في تحويل هذه المناسبة إلى منصة لـدبلوماسية التوازن حيث تجلت اللغة الهادئة والمشبعة بالإشارات العميقة كفعل سياسي واعٍ فالحديث عن الوحدة والاستقرار في زمن تتزعزع فيه أركان المنطقة واستحضار تعددية المجتمع في لحظة تتكاثر فيها الانقسامات ليس سوى إعادة تموضع هادئة تؤكد أن كوردستان لا تكتفي بكونها جغرافيا للاحتماء بل هي مساحة استراتيجية يمكن أن تلتقي فيها التناقضات دون صدام. إن هذا الخطاب لا يُوجَّه لطمأنة الداخل فحسب بل لتقديم صورة متماسكة للخارج مفادها أن هنا في هذه البقعة لا يزال الإصرار على السلام خياراً واقعياً قادراً على الصمود أمام اختبارات الهويات الحادة وحين نراقب مشهد عقرة الذي يحتضن شعلة الأرض نجد أنها لم تكن يوماً مجرد ساحة احتفال بل هي مختبر سوسيولوجي يلتقي فيه العراقيون من عرب وكورد وتركمان ومن مختلف الأديان ليؤكدوا أن ما يجمع الناس أعمق بكثير مما تفرقه حسابات السياسة العابرة وأن الاحتفال المشترك تحت ظلال الأزمات هو في ذاته مقاومة ناعمة ترفض ثقافة الانقسام وتؤسس لمفهوم المواطنة الروحية. هنا يتجاوز نوروز حدود كونه عيداً قومياً ليصبح لغة مشتركة كما ينسلخ عيد الفطر عن كونه مناسبة دينية صرفة ليصبح مساحة إنسانية جامعة وحين يلتقي العيدان فإنهما يفتحان نافذة لخطاب مختلف يرى في الإنسان قيمة عليا تتجاوز الانتماءات الضيقة.

إنها تجربة تحاول رغم كل الضغوط الجيوسياسية أن تحافظ على توازن دقيق بين الخصوصية والانفتاح وبين التمسك بالجذور والقدرة على الاحتواء الشامل تجربة تقول بصوت غير صاخب إن بالإمكان أن تكون قوياً دون أن تكون صدامياً وأن تكون واضحاً في هويتك دون أن تكون حاداً مع الآخر. وفي نهاية المطاف تبرز القوة الحقيقية لهذه اللحظة في كونها لا تنكر الواقع القاسي بل تعترف به ثم تختار رغم ذلك أن ترفع شعلة الأمل كقرار سيادي شجاع. إن الرسالة التي تنطلق اليوم من كوردستان تتجاوز الحدود واللغات لتؤكد لكل من يراقب هذا العالم المثقل بالحروب: أن التعايش ليس ضعفاً بل هو ذروة القوة وأن الأرض التي تتسع للجميع هي وحدها القادرة على البقاء وصناعة المستقبل ومن هذه الجغرافيا التي حاولت عبر تاريخها أن تكون بيتاً مفتوحاً تُبعث الإشارة الأخيرة أن الأيام القاسية مهما طالت لن تكون النهاية وأن المحبة التي تُزرع في قلب الشدائد ستجد طريقها يوماً لتزهر سلاماً مستداماً يمتد أثره من قمم الجبال إلى أقصى بقاع الأرض إن هذا المشهد المهيب الذي يعانق فيه نوروز الحريةِ قدسيةَ العيد ليس إلا ترجمة حية لنهج تاريخي أرسى دعائمه البارزاني الخالد حين أكد يوماً أن كوردستان يجب أن تظل بيتاً آمناً لكل من ينشد الحرية والعيش المشترك وهو ذات النهج الذي يكرسه اليوم الرئيس مسعود بارزاني في تأكيده المستمر على أن قوتنا تكمن في قدرتنا على الحفاظ على كوردستان كمثال حي للتسامح والتعايش الأخوي بين كافة المكونات. 

إنها رسالة تعايش عابرة للأديان والقوميات تؤكد أن شعلة الجبل هي ذاتها صلاة المحبة وأن هذه الأرض التي لم تنكسر أمام العواصف تختار اليوم بوعي سيادي أن تكون واحة للأمان ومنطلقاً لثقافة قبول الآخر إن التعايش في كوردستان ليس مجرد شعار بل هو ميثاق أخلاقي وضرورة وجودية تجعل من التنوع سيمفونية متناغمة تثبت للعالم أن إرادة الحياة أقوى من خطابات الكراهية وأن الجبال التي كانت يوماً ملاذاً من الظلم باتت اليوم منارة تطل منها كوردستان على الإنسانية جمعاء حاملةً عهداً أبدياً بأن يظل السلام هو المجد الوحيد الذي لا يزول وأن تظل المحبة هي السيادة الحقيقية التي تُصنع بها الأوطان وتُبنى بها الحضارات.