ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
خمسة أيام لهز العالم... هل يشتري ترامب الوقت؟
دخلت المنطقة والعالم في واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية منذ عقود فإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الاثنين 23 مارس 2026 عن تأجيل ضربات عسكرية مدمرة كانت تستهدف 400 نقطة حيوية للطاقة في إيران، لمدة خمسة أيام ليس مجرد تكتيك تفاوضي بل هو إنذار نهائي لإعادة صياغة موازين القوى في ظل انهيار دراماتيكي في هيكلية القيادة الإيرانية الحقيقة التي تؤكدها التقارير المسربة من كواليس ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في جنيف هي أن هذه المهلة تهدف لانتزاع استسلام تقني يشمل تفكيك منشآت فوردو ونطنز في وقت تعيش فيه طهران حالة من تشتت القرار غير المسبوقة.
تُشير المعطيات الاستخباراتية المؤكدة إلى أن هذه المفاوضات تجري وسط زلزال في القمة فبعد تأكيدات مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة 28 فبراير وتصفية أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني في 18 مارس بات من يملك قلم التوقيع في طهران محل شك كبير. هذا الفراغ القيادي هو ما جعل ترامب يتحدث بلهجة الواثق عن رغبة إيران الشديدة في الاتفاق حيث يحاول قادة الظل والناجون مثل مجتبى خامنئي الذي نجا بأعجوبة من قصف مقر والده التنسيق مع الجناح البراغماتي في الجيش النظامي لإنقاذ الدولة من الظلام التام بينما يواجهون ضغوطاً من بقايا الحرس الثوري الذين يرون في المهلة فخاً لاستكمال التحشيد الدفاعي الأمريكي حول منشآت النفط في الخليج.
الصين اللاعب الصامت والأكبر تأثيراً تظهر اليوم ككفة الميزان الحقيقية بكين التي تعتمد بشكل كلي على النفط الإيراني لضمان استقرار صناعاتها تمارس الآن دبلوماسية الظل فهي تضغط على طهران لتقديم تنازلات تقنية فورية لتجنب الحرب وفي الوقت ذاته تلوح لواشنطن بأن إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى انهيار سلاسل التوريد العالمية خاصة في قطاع الأسمدة واليوريا مما قد يشعل ثورات جياع في آسيا وأفريقيا بالنسبة للصين الـ 5 أيام هي مهلة لتقييم مدى جدية ترامب في تدمير شريكها الاستراتيجي الذي بات بلا رأس واضح.
أما بالنسبة لـ العراق فهو يعيش اليوم ساعة الصفر الحقيقية بغداد تجد نفسها في وضع حرج للغاية فالحكومة تدرك أن التهديد بضرب محطات الطاقة الإيرانية يعني تقنياً إعدام شبكة الكهرباء العراقية التي تعتمد بنسبة 40% على الغاز المستورد، أي ضربة لإيران تعني غرق المدن العراقية في ظلام دامس مما قد يفجر احتجاجات شعبية عارمة نتيجة انهيار الخدمات، علاوة على ذلك تحول العراق إلى صندوق بريد عسكري حيث شهدت الأيام الأخيرة استنفاراً في القواعد مما يجعل السيادة العراقية في مهب الريح وسط صراع كسر العظم بين القوى العظمى.
وفيما يخص إقليم كردستان فإن التحليل الاستراتيجي يضعه في مكانة بيضة القبان والحل الناجع للأزمة العالمية ففي ظل التهديد بإغلاق مضيق هرمز تبرز أهمية الإقليم كـ ممر آمن وموثوق لتصدير الطاقة عبر تركيا إلى الأسواق العالمية، حكمة قيادة الإقليم في الحفاظ على التوازن مكنت أربيل من أن تكون وجهة بديلة للشركات الدولية الباحثة عن الاستقرار ورغم الرسائل العسكرية التي تحاول التشويش على هذا الدور إلا أن الإقليم يثبت يوماً بعد يوم أنه شريك استراتيجي لا غنى عنه في أمن الطاقة العالمي إن الـ 5 أيام بالنسبة لأربيل هي فرصة لتعزيز مكانتها كـ منطقة خضراء للاستثمار والتعاون الدولي بعيداً عن صراعات المحاور المتصادمة.
ما يجب الحذر منه هو الأمن المعيشي فمجرد التلويح بالحرب أدى إلى اضطراب سوق الصرف وتذبذب الدينار العراقي مما يرفع تكلفة المعيشة فوراً كما أن أي تعثر في المنظومة المالية الدولية بسبب المخاطر العالية قد يؤثر على سلاسل توريد الغذاء والدواء، يضاف إلى ذلك التوقع بشن هجمات سيبرانية عالمية لتعطيل البنوك والاتصالات كوسيلة ضغط ناعمة خلال هذه المهلة مما يجعل التحصين الرقمي ضرورة قصوى.
مآلات اليوم السادس
السيناريو المتفائل اتفاق الضرورة أن تنجح ضغوط بكين ووساطة دول المنطقة في إقناع قادة الضرورة في طهران بقبول تجميد التخصيب مقابل وقف الضربات مما يؤدي لانتعاش الأسواق واستقرار نسبي في العراق والإقليم وانخفاض فوري في أسعار النفط والغذاء.
السيناريو الكارثي الارتطام الكبير انقضاء المهلة دون اتفاق مما يعني بدء ضربات أمريكية جراحية شاملة ورد إيراني انتحاري بإغلاق كامل للمضيق واستهداف منشآت الطاقة في الجوار وهو ما يدخل العالم في كساد عظيم وتوقف تام لتدفقات الطاقة والسماد.
إن مهلة الأيام الخمسة التي وضعها ترامب هي خيط رفيع يفصل بين نظام عالمي جديد تقوده الصفقات الكبرى وبين فوضى شاملة. على صانع القرار في بغداد وأربيل التحرك الاستباقي لتأمين بدائل الطاقة وحماية الجبهة الداخلية فالعالم يحبس أنفاسه واليوم السادس قد يكون إما فجر استقرار جديد بقيادة مراكز آمنة مثل إقليم كردستان أو غسق صراع لا ينتهي في ظل غياب كبار اللاعبين التاريخيين في طهران.