شهداء البيشمركة… دماء تحرس أرضًا لا تريد الحرب

شهداء البيشمركة… دماء تحرس أرضًا لا تريد الحرب
شهداء البيشمركة… دماء تحرس أرضًا لا تريد الحرب

لم تكن الضربة التي استهدفت قوات البيشمركة ليلة البارحة حدثًا عابرًا يمكن وضعه في خانة الخروقات الأمنية المعتادة، ما جرى يحمل بصمة أوضح من مجرد صاروخ أو طائرة مسيّرة إنه جزء من لعبة أكبر تُرسم فيها خرائط النفوذ بالنار وتُختبر فيها حدود الصبر لدى القوى التي ما تزال تحاول البقاء خارج العاصفة، البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية محلية بل تمثل رمزًا لاستقرار نسبي داخل منطقة مضطربة وشريكًا رئيسيًا في معادلة الأمن التي تشكلت بعد الحرب ضد داعش، هذه الحقيقة وحدها تجعلها هدفًا مغريًا لكل من يريد إرسال رسالة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، ففي عالم اليوم لم تعد الحروب تُعلن دائمًا بل تُدار عبر وكلاء الضغط وأهداف الرسائل، حين تُستهدف البيشمركة فإن السؤال الحقيقي لا يكون من أطلق الصاروخ؟ بل لمن وُجّهت الرسالة؟ هنا تتقاطع خيوط الصراع بين الولايات المتحدة وإيران حيث تتحول الجغرافيا العراقية بما فيها إقليم كوردستان إلى مساحة اختبار للإرادات لا أحد يريد حربًا مباشرة لكن الجميع مستعد لاستخدام الأرض واللاعبين المحليين للضغط وتحقيق المكاسب.

في هذا السياق تبدو البيشمركة وكأنها وُضعت مرة أخرى في موقع خط الدفاع الأول لكن هذه المرة ليس ضد تنظيم متطرف واضح المعالم بل وسط صراع ضبابي بين قوى دولية وإقليمية الخطر هنا لا يكمن فقط في الضربة نفسها بل في ما قد يتبعها سلسلة من الاستفزازات المحسوبة التي تدفع نحو رد فعل ثم رد على الرد حتى يجد الكورد أنفسهم داخل دائرة صراع لم يختاروه التاريخ القريب لا يزال حاضرًا في الذاكرة، خلال المواجهة مع داعش دفع الكورد ثمنًا باهظًا دفاعًا عن العالم بينما اكتفى كثيرون بالدعم من بعيد، اليوم يتكرر السؤال ذاته ولكن بصيغة أكثر مرارة هل يُراد للكورد أن يخوضوا حربًا جديدة نيابة عن الآخرين؟ أم أن هناك محاولة لتحويل استقرار الإقليم إلى ورقة تفاوض في صراع أكبر؟ الواقع يشير إلى أن استهداف البيشمركة ليس هدفه عسكريًا بحتًا فالقوة العسكرية للإقليم معروفة ومحدودة ضمن إطار دفاعي، الهدف الأعمق هو سياسي ضرب صورة الاستقرار إرباك العلاقة مع الحلفاء وإرسال رسالة مفادها أن أي مساحة هادئة في الشرق الأوسط يمكن تحويلها إلى ساحة توتر متى ما اقتضت مصالح الكبار ذلك ومع ذلك فإن ما يميز هذه المرحلة هو نضج الخطاب السياسي في إقليم كوردستان الرسائل الصادرة من القادة ليست انفعالية بل تحمل إدراكًا عميقًا للفخ المحتمل الصمت الذي يظهره قادة الإقليم ليس خوفًا أو ترددًا بل هو صمت القوة والوعي صمت التعايش والسلام والأمان صمت يضمن الحفاظ على نموذج الإقليم في الاستقرار والبناء رغم كل المحاولات لإشعال الفتنة هناك حرص واضح على عدم الانجرار وعلى إبقاء البيشمركة ضمن دورها الدفاعي لا كأداة في حرب الآخرين، هذه اللغة ليست ضعفًا بل استراتيجية بقاء في منطقة لا ترحم، ما لم يُذكر هو أن استهداف البيشمركة لا يتعلق فقط بالبعد العسكري أو السياسي المباشر بل بمحاولة ضرب النموذج الكوردي نفسه النموذج الذي تشكل داخل إقليم كوردستان لم يكن مجرد تجربة حكم محلي بل أصبح فكرة مزعجة في منطقة تعيش على الانقسامات فكرة أن التعايش ممكن وأن التنوع ليس تهديدًا بل مصدر قوة دماء شهداء البيشمركة لم تسقط عبثًا بل كانت ثمنًا للحفاظ على السلام والأمن في الإقليم ورسالة لكل من يحاول زعزعة الاستقرار بأن الإقليم سيظل صامدًا وأرضه محمية بشجاعة أبنائه حين يُضرب الاستقرار في الإقليم لا يُراد فقط إضعاف قوة عسكرية بل إضعاف فكرة أن هناك مساحة في الشرق الأوسط يمكن أن يعيش فيها الكوردي والعربي والتركماني والمسيحي والإيزيدي تحت سقف واحد دون أن يتحولوا إلى أدوات صراع كما أن هناك محاولة لإعادة تعريف دور الكورد في المرحلة القادمة بعد الحرب ضد داعش أصبح للكورد وزن عسكري وسياسي واضح لكن في مرحلة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران هناك من لا يريد لهذا الدور أن يستمر أو يتوسع لذلك يتم الضغط لإجبار الكورد على أحد خيارين إما الانخراط في محور معين أو دفع ثمن البقاء خارج اللعبة الكورد لا يُستهدفون لأنهم ضعفاء بل لأنهم أقوياء بطريقة مختلفة قوة ليست فقط في السلاح بل في الهوية في التجربة وفي الدماء التي دُفعت دفاعًا عن الأرض والإنسان هذه القوة هي ما يُراد كسرها أو احتواؤها ما يميز الكورد هو أنهم لم يبنوا قوتهم على الإقصاء بل على التعايش هذه ليست شعارات بل واقع عاشه الإقليم لسنوات حيث لم يكن الانتماء القومي أو الديني سببًا للإلغاء بل جزءًا من نسيج واحد وهذا بحد ذاته يشكل رسالة سياسية وأخلاقية في منطقة اعتادت على العكس أي محاولة لجرّ الكورد إلى حرب جديدة ليست فقط استهدافًا لجغرافيا بل استهداف لفكرة إنسانية كاملة في النهاية ما حدث ليس مجرد حادث أمني بل إشارة تحذير عميقة الكورد اليوم لا يقفون فقط أمام تهديد عسكري بل أمام اختبار تاريخي جديد هل يُعاد وضعهم في قلب صراع لا يخدمهم أم ينجحون في حماية تجربتهم من الانزلاق؟ يجب التأكيد بوضوح على أن قوات البيشمركة تمثل قوة دفاع شرعية تعمل ضمن أطر قانونية ودستورية ثابتة لحماية أراضي إقليم كوردستان إلا أن بُعدها الاستراتيجي الأهم يكمن في كونها شريكاً عضويًا وميدانيًا أصيلاً في التحالف الدولي ضد داعش من هذا المنظور التحليلي، فإن استهداف البيشمركة لا يمكن تصنيفه كنزاع محلي أو داخلي عابر بل هو خرق مباشر لمنطق القانون الدولي كون هذه القوات تمثل طرف إنفاذ استقرار واجه إرهاباً عالمياً هدد الأمن والسلم الدوليين نيابة عن الجميع إن دماء شهداء البيشمركة ليست مجرد تضحيات وطنية بمفهومها الضيق بل هي انتهاك صارخ للمسؤولية الدولية تجاه حماية القوى التي منعت انهيار المنطقة أمام الفوضى وهو ما يفرض على المجتمع الدولي اعترافاً سياسياً وقانونياً يتجاوز حدود الإشادة البروتوكولية.

إن دماء شهداء البيشمركة هي استثمار حيوي في منظومة الأمن الدولي التي تحققت بفضل ثباتهم في خنادق المواجهة ضد الإرهاب نيابة عن الجميع، لذا فإن التضامن العالمي اليوم مع استقرار البيشمركة ليس مجرد خيار سياسي، بل هو صيانة لنتائج تلك الحرب العالمية وضمانة لعدم عودة التهديدات التي مست عواصم العالم أجمع. وبذات الرؤية، نؤكد لدول الجوار أن استقرار إقليم كوردستان وقوة دفاعه يمثلان صمام أمان حدودي يمنع انتقال الفوضى، فتعزيز أمن الإقليم هو تعزيز مباشر لأمنكم القومي وتحصين للمنطقة من فراغ أمني قد يطال الجميع. أما في الداخل العراقي، فإن البيشمركة تظل ركناً أصيلاً وبنيوياً في منظومة الدفاع الوطني، والوقوف صفاً واحداً لحماية توازنها هو تجسيد لوحدة المصير وحماية لهيبة السيادة العراقية وتماسكها الدفاعي أمام التحديات المشتركة، إلى أبناء كوردستان فقد أثبتم عبر التاريخ من الحرب ضد داعش إلى اليوم أنكم لستم فقط مقاتلين أشداء بل بناة سلام قوتكم لم تكن يومًا في السلاح وحده بل في وحدتكم في إيمانكم بالتعايش وفي قدرتكم على التمييز بين المعركة التي يجب خوضها وتلك التي يجب رفضها دماء شهداء البيشمركة كانت ثمنًا لحفظ الأمن والسلام في الإقليم ورسالة لكل من يحاول زعزعة استقراره بأن قادته وأبناؤه لن يساوموا على استقرارهم.

وفي هذا السياق، يأتي حديث الرئيس مسعود بارزاني ليضع النقاط على الحروف بخصوص جذور هذه القوة واستحقاقها التاريخي، حيث اختتم حديثه عن الشهداء قائلاً:

"تأسيس إقليم كوردستان لم يكن منّة من أحد، بل كان ثمرة دماء الشهداء وضحايا الأنفال وتضحيات البيشمركة الأبطال هؤلاء هم من صنع الأمن والاستقرار في إقليمنا".

إن هذا المنطق يؤكد أن الحروب قد تُفرض على الشعوب قسراً لكن أعظم الانتصارات الاستراتيجية هي تلك التي تنجح فيها الشعوب في الحفاظ على هويتها وإنسانيتها أمام العواصف. فشداء البيشمركة لم يسقطوا دفاعاً عن جغرافيا صماء بل دفاعاً عن "معنى" الوجود والحرية والمعاني لا تُهزم بالصواريخ لذا سيبقى القادة في إقليم كوردستان صامدين متمسكين بحكمة "صمت القوة" لا الضعف لتظل رسالتهم للعالم وللأجيال القادمة هي السلام والاستقرار الدائم.