جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟

جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟
جيوستراتيجيا الاستهداف.. ماذا وراء الهجمات على إقليم كوردستان؟

يبدو أن حياد إقليم كوردستان في صراعات المنطقة قد أصاب البعض بـ "الحساسية المزمنة"، ففي الشرق الأوسط، لا يبدو الحياد خياراً مريحاً، بل تهمة جاهزة بدت أشبه بقانون غير مكتوب يقول: "إذا لم تكن معي في خندقي وتلطخ وجهك بالطين، فأنت حتماً تسكن في معسكر الموساد"، ضمن هذا المنطق الحاد، يجد إقليم كوردستان نفسه في موقع معقّد، إذ اختار أن ينأى بنفسه عن صراعات المحاور، وأن يتبنى سياسة توازن دقيقة، غير أن هذا الخيار، بدلاً من أن يوفر له الحماية، جعله هدفاً لهجمات متكررة، ليبدو وكأنه ارتكب "المعصية الكبرى" حين قرر أن يغسل يديه من "حفلات الزار" الإقليمية، ويمسك العصا من المنتصف، حيث تحول إلى هدف دائم لرسائل "بريدية" طائرة، لا تحمل طوابع، بل تحمل رؤوساً متفجرة.


تتكرر في خطاب الجهات التي تستهدف الإقليم رواية جاهزة وهي وجود "الموساد" في أربيل، حتى صارت تشبه قصص "الطنطل" في التراث الشعبي، تسمع به ولا تراه، كما إن الجميع يتحدث عن شكله المخيف، لكن لا أحد يملك صورة سيلفي معه، فهذه الرواية تؤدي وظيفة سياسية واضحة، فهي تمنح غطاءً شرعياً للهجمات أمام الجمهور، وتحوّل الضربات إلى ما يبدو كأنه "دفاع استباقي"، فيقوم المهاجمون بقصف مناطق مدنية أو منشآت غير عسكرية دون أدلة ملموسة تدعم المزاعم المعلنة، ويخرجون ببيانات عريضة عن تدمير "وكر للعصافير الاستخباراتية"، بينما الحقيقة هي أنهم يبحثون بين الأنقاض فلا يجدون حتى "نجمة داوود" على علبة كبريت، لتكون ذريعة لسحب الإقليم وإدخاله في المحرقة، كما لم يجدوا بين الأنقاض حتى "هوية تعريف" واحدة لموساد حي أو ميت.


المشكلة ليست في وجود "إسرائيليين" الذين لم يجدوا منهم حتى "فردة حذاء" واحدة بعد كل قصف، المشكلة تكمن في أن أربيل ترفض أن تكون "ساحة تصفية حسابات" بالنيابة عن الآخرين، وهذا الصمت العقلاني يستفز هواة الضجيج الصاروخي، ففي عرف هؤلاء، أن الابتعاد عن صراع المحاور هو "خيانة عظمى" تستوجب البارود، كما يبدو أن "الموساد" في عرف هؤلاء هو مجرد "شماعة" لشرعنة هواية القصف الليلي، لأن الاعتراف بأنك تقصف مدينة لأنها "ناجحة ونظيفة" هو اعتراف بالفشل الأخلاقي.


أما "حكاية القواعد"، فهي المفارقة الأبرز والتي تتجلى في العلاقة بين أربيل وبغداد، فبينما تستضيف الأراضي العراقية قوات دولية ضمن أطر رسمية وبموافقة الحكومة الاتحادية، تصبح بعض المواقع في إقليم كوردستان هدفاً لهجمات بحجة وجود تلك القوات.. هذا التناقض يعكس طبيعة المشهد العراقي المركب، حيث تتداخل قرارات الدولة مع حسابات فاعلين آخرين يمتلكون أدوات تأثير مستقلة، ما يجعل الإقليم ساحة أسهل لتبادل الرسائل.


النكتة التي ترفض أن تنتهي، أنهم يصرخون ضد "الاحتلال" في الفضائيات، ويرسلون مسيرة لقصف مطار أربيل حيث تتواجد قوات التحالف الدولي بـ "فيزا" رسمية ومباركة من بغداد، المفارقة هنا أن هذه القوات موجودة بموافقة الحكومة الاتحادية التي يشارك فيها "أصحاب المسيرات" أنفسهم ويجلسون على كراسيها في بغداد، لكن القصف في أربيل "حلال" والسكوت في بغداد "واجب وطني"، والهدف الحقيقي هو إحراج القيادة الكوردية لإجبارها على اختيار "معسكر" معين، وكسر بيضة الحياد التي ترفض أربيل التخلي عنها، أو أن تقليها في مقلاة المحاور.


ولأن العبث لا حدود له، لم يقف الأمر عند البعد السياسي، كما لم يتوقف الأمر عند البيوت والمنشآت، بل امتدت نيران "الجيران والفرقاء" لتستهدف قوات البيشمركة، التي تُعد إحدى ركائز الأمن في العراق، فهي القوة التي لولاها لكان "الدواعش" الآن يتجولون في أسواق عواصم كبرى، فهذا الاستهداف لا يمكن قراءته كحوادث معزولة، فهو ليس خطأً تقنياً في الإحداثيات، بل هو جزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة، ومحاولة صريحة لزعزعة الركيزة الأمنية التي تحمي استقرار الإقليم، ورسالة فجة وواضحة مفادها: "لا حصانة لأحد ما لم ينخرط في مشروعنا، ولا مكان لقوة مستقلة خارج الاصطفافات الكبرى، فإما أن تكون بيدقاً في رقعتنا، أو أنك عدو تستحق الغدر"، إنهم يحاولون تحويل حماة الأرض إلى وقود في صراعاتهم الجانبية، وحين يرفض المقاتل الكوردي أن يكون "مجرد رقم" في حساباتهم، تأتيه المسيرة الغادرة لتخبره أن ضريبة "الحكمة" قد تكون الموت.


تزداد دلالة هذه الهجمات وضوحاً عند النظر إلى توقيتها، فالمثير للريبة أن هذه الهجمات تزداد "حماساً" كلما بدأ الدخان الأبيض يتصاعد من طاولات الحوار بين أربيل وبغداد، وكأن الصواريخ تتحول إلى أداة تعطيل، لا تستهدف موقعاً بعينه بقدر ما تستهدف مساراً سياسياً كاملاً، في محاولة لإبقاء التوازنات الهشة على حالها ومنع تشكّل تفاهمات مستقرة، والصواريخ هنا ليست سلاحاً عسكرياً، بل هي "ممحاة سياسية" تحاول مسح أي اتفاق سياسي يعيد المياه لمجاريها، ووسيلة ضغط لتقويض نموذج الإعمار الذي يمثل "إهانة بصرية" صريحة لمن فشلوا في بناء رصيف واحد أو تبليط شارع يتيم في مناطق نفوذهم رغم الميزانيات الانفجارية التي تبخرت في جيوب "المقاومين" للنزاهة.


الحقيقة المرة هي أن الجريمة الكبرى التي لا تغفرها الصواريخ لإقليم كوردستان ليست "الموساد" القابع في خيالهم، ولا "القواعد" التي تعيش في الأوراق الرسمية لبغداد، بل هي جريمة "الرفاهية المستفزة"، أو ما يمكن أن نطلق عليه تسمية "النموذج المختلف"، فبينما يغرق الآخرون في وحل الأزمات المفتعلة، يصر الإقليم رغم تحدياته على أن يكون لديه شوارع نظيفة وكهرباء لا تنقطع إلا بقرار "مسيرة" طائشة، وهذا التباين قد يتحول بحد ذاته إلى مصدر توتر، إذ يخلق مقارنة غير مريحة، ويُفسَّر أحياناً كخروج عن "سياق الفوضى" الذي يراد تعميمه، فإقليم كوردستان يُعاقب لأن لديه طموح غير مسموح به في غابة "المحاور"، المطلوب ببساطة هو أن يتخلى عن وعيه، ويتوقف عن البناء والإعمار، وينخرط في حروب الوكالة بالنيابة عن "القوى الكبرى" في المنطقة، لكن يبدو أن الرد الكوردي لا يزال ثابتاً: "سنبقى محايدين، وسنبني ما تهدمونه، حتى لو تحولت سماؤنا إلى شاشة عرض لمسيراتكم العبثية، فالفرق بيننا وبينكم، هو الفرق بين من يبني رصيفاً ومن يحفر خندقاً".


وإجمالاً، لا يمكن اختزال استهداف إقليم كوردستان في سبب تقني أو ذريعة أمنية واهية، إنه نتاج تداخل معقد بين جنون العظمة الإقليمي وحسابات الفشل الداخلي، ورسائل ردع متبادلة، غير أن الثابت في هذه المعادلة هو أن خيار "الحياد في بيئة مستقطبة"، لا يُنظر إليه كمساحة حكمة، بل كفراغ يجب ملؤه أو كسرُه، وبين محاولات الضغط هذه، يبقى التحدي الأكبر أمام الإقليم هو الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، والاستمرار في بناء النموذج المستقر، دون الانجرار إلى صراعات قد تقوض الأسس التي قام عليها هذا الاستقرار.