جليل إبراهيم المندلاوي
كاتب وصحفي كوردي
أربيل تنزف.. وبغداد تغرق في الصمت
في ليلة السابع من نيسان 2026، لم يكن دويّ الانفجار في قرية "زركزاوي" مجرد صوت ارتطام طائرة مسيرة مفخخة؛ بل كان صرخة اغتيال للحياة، وهدمًا لمفهوم السيادة التي يُتغنى بها في المحافل الدولية. طائرة انطلقت من وراء الحدود، لتُنهي حكاية زوجين (موسى أنور رسول و مژدة أسعد حسن)، وتترك خلفهما جرحاً غائراً لا تداويه البيانات، وطفلتين يتيمتين ستسألان يوماً: لماذا قُتل والداي وهما في أمان منزلهما؟
ما حدث في ناحية "دار شكران" ليس "حادثاً أمنياً" عابراً، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية. أن يُستهدف منزل مواطن آمن بطائرة مسيرة هو قمة الإرهاب الممنهج. وبينما تشتعل النيران في أجساد الأبرياء في كوردستان، يبرز التساؤل المرير: أين هي حكومة العراق؟ وأين هو البرلمان الذي يُفترض أن يكون صوتاً للشعب؟
إن المشهد السريالي الذي نعيشه اليوم يضعنا أمام مفارقة مؤلمة؛ رئيس الوزراء يستعرض قواته في بغداد، يلقي الخطابات عن الهيبة والسيطرة، في حين أن مسيرات "الفصائل" تسرح وتمرح على حدود إقليم كوردستان دون رادع. كيف يمكن لضمير المسؤول أن يستكين وهو يرى مشاهد الدمار وأشلاء المواطنين، بينما تخرج تلك الفصائل ببيانات علنية تتبنى الهجمات وكأنها في نزهة عسكرية، لا في دولة يُفترض أنها تحمي مواطنيها من زاخو إلى البصرة؟
فصمت الحكومة الاتحادية حيال هذا الانفلات الأمني لايمكن أن يُفسر كحكمة سياسية، بل يُقرأ شعبياً كعجز أو عدم اكتراث، كما لا يمكن الحديث عن "دولة قوية" و"هيبة قانون" في بغداد، بينما تظل سماء إقليم كوردستان مستباحة لجهات تضرب وتتبنى الهجمات علانية.
إن فقدان موسى ومژدة ليس مجرد رقم في سجل الضحايا، بل هو انهيار لمنظومة الأمان التي يطمح إليها أي مواطن. عندما يصبح البيت "وهو الحصن الأخير للإنسان" هدفاً للطائرات المسيرة، فإن الرسالة المراد إيصالها هي "لا مكان آمن"، وهذا هو جوهر الإرهاب.
وبعيداً عن التحليلات السياسية الباردة، هناك طفلتان فقدتا الدفء والأمان في لحظة واحدة. أيّ مستقبل ينتظرهما في بلد يقتله "السكوت"؟ إن دموع هاتين الطفلتين هي الإدانة الحقيقية لكل من بيده القرار ولم يحرك ساكناً، لتبقى صورة الطفلتين اليتيمتين هي الأصدق. فالسياسة التي لا تحمي الأطفال في مهودهم هي سياسة مفلسة أخلاقياً.
إن دماء الأبرياء في "دار شكران" تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما وطن يحمي الجميع، أو غابة تحكمها المسيرات الخارجة عن القانون، فالسيادة ليست شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل هي القدرة على منع الطائرات من اختراق سماء الوطن لقتل مواطنيه وهم نيام.. السيادة الحقيقية هي أن ينام الطفل في الوطن وهو يعلم أن سماءه محروسة بقوة القانون، لا مخترقة بصواريخ الغدر.
يا أصحاب القرار: هل هو تواطؤ أم عجز؟ إنّ المعطيات الأمنية والتقنية تؤكد بما لا يقبل الشك، أنّ إنشاء حاجز أمني وجدار صد عسكري على مسافة لا تتجاوز الـ 30 كيلومتراً كفيلٌ بقطع الطريق نهائياً على هذه المسيرات الغادرة ولجم استهتارها. لكن السؤال الحقيقي ليس "هل نستطيع؟" بل "هل نريد؟".
إن بقاء الفصائل المسلحة فوق القانون، واستهداف إقليم كوردستان بشكل متكرر دون رد حكومي حازم، يضع السلطة الاتحادية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون هذه الجهات جزءاً من أجندة الصمت هذه، وبالتالي هي شريكة في المسؤولية الأخلاقية والقانونية، أو أن تثبت عكس ذلك بالتحرك الفوري لإيقاف هذا المسلسل الدموي، وكفى استباحة لدماء الأبرياء، فإلى متى يظل إقليم كوردستان يدفع ضريبة الصراعات الإقليمية وضعف القرار في العاصمة الاتحادية؟ إن استشهاد "موسى ومژدة" يجب أن يكون الصرخة الأخيرة قبل الهاوية. كما إن السكوت على هذه التجاوزات لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح خيانة للأمانة التي يحملها كل مسؤول في هذا البلد.
الرحمة للشهداء، والصبر للطفلتين، والخزي لكل من يرى الدم ولا يتحرك.