شيء من الصراحة
لا يمكن الحديث بصراحة مجردة، اذ لابد ان تتوافر ثلاث نقاط فيها، الوعي العام و الخاص، و الادلة لا الشكوك، والقناعة و التقبّل، ونقاط اخرى تحيط بكل حالة من حالات الصراحة، لكنها كلها نسبية، مردّ ذلك لنسبية الانسان نفسه.
في اجهزة الحكم و حتى تبتعد الامور عن الشخصانية و المزاجية، يكون القانون بقوالبه مكانا للعمل، وتكون العقلية ابعد ما تكون عن التعطّل، و اعمق فكرا و اعلى نضجا، فذلك الافضل و ذلك هو المطلوب، وهذا الامر ليس دعوة لمثالية، مثلما ليس من الصواب بمكان ان يتم اهمال الاسناد الدستوري و التراكم الخبراتي، و الذهاب بالمزاج المُتَصّور غير المختبر وغير ذي الجدوى و اعتماده توجها في الحكم، وقبل كل هذا وذاك، فالحكم منظومة متكاملة لو صحت صحت كلها و لو تعطل فيها مقطع ظهر تأثير العطل على كل الحلقات.
هل نحن امام ذهنيات لا تدري معنى مصارحة الذات، ام تخاف من المصارحة، او انها لا تريدها، او ربما تقبل بالمصارحة القادمة فقط من اصحاب القوة؟
شخصيا انا املك جوابا، ولا اريد فرض رأيي على غيري.
نحن لسنا نقّاد اداء لغرض النقد او لغاية تنافسية، ومع ان ذلك الحق مباح، الا ان مهام اعمالنا وطبيعة دورنا، تمنع علينا الصمت و قبول القيد، و تفرض علينا ان نتواصل و نخاطب و نعرض للجميع ما لا يمكن و لا يصح السكوت عنه، فنحن لا نمثل طرفا في علاقة شخصية، ففي العلاقات الشخصية ثمة هوامش قبول و تنازل متروكة للأطراف، اما في العلاقة بين الجهاز الحاكم و سقوفه و امتداداته، فالسند الدستوري و النص القانوني هما الميزان، والّا فلم اصطنع الانسان مفهوم الدولة و راكم عليها خبرات من تجارب العلاقة القانونية، بل لِمَ يصر من يصر على ان يكون هو الدولة ان لم يُرِد ان يتعامل و يُتعامل معه على هذا الاساس و وفق هذا البناء؟
منذ ان خرج العراق من عناوين الحكم التي كان فيها مركز قرار الى فترات كان فيها ملحقا بغيره والى تأسيسه ملكيا و جمهوريا، توافرت كل فرص النجاح، وتوافرت دوما فرصة الفشل، فشل سببه عقل مستعد لقبول منهج التفرد، عقل مستعد لفهم الصواب خطأ و العكس، عقل يضع الاولويات بترتيب يخالف ما يفرضه دستوره، عقل لا يتنقل بين مفردات و مساحة الخطاب و القرار فيقيس ما على الورق و في الفم بمقياس الشارع و الداخل و الخارج، عقل يفهم الاقتصاد بطريقة إقرار مستغربة، اذ القول بأنه ريعي و مصدره النفط، فهذا امر مرعب، اذ ان السوق و الصراع هما الآخذان بخناق معيشة الشعب.
عقل لا يراجع معنى ان تتهجر طائفة وطنية لتسكن مخيمات بسبب توزع قوى افرزتها الشرعية فصارت تهدد الشرعية و تستقوي على الشعب الذي هو مصدر السلطات، عقلية لا تتوقف عن التمادي في مخالفة الاصل الذي وُجِدت له الا اذا احست بأن بقائها و زوالها مرتبط برضا قوى في القرار الدولي، ولكنها امام واجباتها الداخلية فهي تبيح لنفسها ما لا يصح، فتخلط الرسمي بالشخصي، و العمل الواجب بالمنّ.
اما الملفات الحيوية الاخرى فكلها تتطلب مراجعة بعد مصارحة، مراجعة واقعية بعد مصارحة حقيقية، اما اذا فرح كل نفر بما بين يديه من مكتسبات، فتلك امُ الكوارث.
هذا شيء من الصراحة عن موازين عقل يحكم القرار، والموازين اساس.
قال تعالى(وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ).
إننا لا نبتغي من الحديث و المكاشفة الا ان نكون مخلصين في النصيحة، مذكرين انفسنا قبل الاخرين ان للحكم اسس يقوم عليها و هيكل يسنده، و ادامة تراقب متانته، وغاية يحققها للمحكومين، وهذه الامور لا يصح ان تغيب او تُغيّب او تُهْمَل. اننا نثمّن كل جهد حتى وان كان قولا فقط و لكنه صادق في حرصه على اسداء النصيحة مثلما نثمن عاليا الجهد الذي قد يبذله من يريدون تصحيح مسار القرار السيادي، حتى ينجو العراق و تسلم شعوبه من مصادرة قراره خارج مصالحه التي شخّصها الدستور الذي تمت كتابته بالاستناد على تجارب و حصيلة مرّة من ماضٍ صادرت القرارَ فيه مجموعة جعلت العراق خرابا.
ان مصارحةً مع النفس يفعلها اصحاب القرار، وان مراجعةً لمسيرة السنوات التي زادت على العشرين في الحكم هي ضرورتان جدا لمغادرة منطق كلام و متحصلات افعال وضعتنا في مواقف نُلام عليها وليس فقط لا نُحسد.
ان التحالف و ان الصداقة في السياسة داخلية و دولية اما ان تكون متكافئة او انهما ليسا كذلك، فقد تكون فيها للطرف الاقوى ان يفرض تبعيته على الاخر، وهذا امر لا يليق لا بالعراقيين و لا بالعراق.
بسم الله الرحمن الرحيم.
وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ.
صدق الله العظيم.