بين تراجيديا النزوح المليوني ونموذج أرض السلام... كوردستان التي لا تنحني

بين تراجيديا النزوح المليوني ونموذج أرض السلام... كوردستان التي لا تنحني
بين تراجيديا النزوح المليوني ونموذج أرض السلام... كوردستان التي لا تنحني

في الحادي والثلاثين من آذار يقف الوجدان الكوردي أمام مرآة التاريخ حيث تتقاطع ذكرى استشهاد القاضي محمد رئيس جمهورية كوردستان في مهاباد عام 1947 مع أصداء خطى الملايين الذين نزحوا نحو الجبال في الهجرة المليونية عام 1991. 

إن صعود القاضي محمد إلى المشنقة في ساحة جوار جرا لم يكن مجرد إعدام لجسد بل كان محاولة وحشية لوأد فكرة الدولة وخنق الحلم الكوردي في مهده وهو ذات الصراع الوجودي المستمر الذي يواجهه إقليم كوردستان اليوم فالربط بين هذه المحطات الدرامية وبين ما يواجهه الإقليم من هجمات صاروخية وضغوط اقتصادية وسياسية ليس مجرد استحضار للماضي بل هو تشريح لعقلية لم تزل ترى في المشنقة حلاً لكنها تحولت اليوم من حبل من ليف إلى صواريخ بالستية ومسيرات ومن حصار عسكري إلى حصار للموازنات والأرزاق وتقويض للفيدرالية عبر حرب هجينة تستخدم المحاكم والمال والسلاح، إن استحضار مشنقة قاضي محمد اليوم هو استحضار لوصيته الخالدة التي أكد فيها أن الوحدة هي الحصن الوحيد فقد سقطت جمهورية مهاباد حينها بسبب توازنات دولية غادرة وفرقة داخلية وهو الدرس الذي تعيه القيادة الكوردية اليوم جيداً وهي تواجه محاولات إثبات أن الكورد لا يمكنهم امتلاك كيان مستقر لكن الرد الكوردي يأتي من أرض السلام التي تحولت من ضحية للجغرافيا إلى لاعب رقمي ومحطة عالمية للدبلوماسية محولةً وصية القاضي من حلم مكتوب بالدم إلى واقع مؤسساتي راسخ لا تهزه الرياح.

إن الفرق الجوهري يكمن في أن الكورد اليوم لم يعودوا مجرد ضحايا يبحثون عن مأوى بل تحولوا إلى كيان سياسي ودستوري يمتلك قيادة حكيمة استطاعت تحويل فلسفة الصمود إلى فلسفة بناء ودبلوماسية فرغم أن الهدف من الضغوط الاقتصادية وقطع الرواتب هو خلق شرخ بين الشعب وقيادته وتحويل تطلعات المواطن من الحقوق القومية إلى البحث عن لقمة العيش إلا أن القيادة تواجه ذلك بصلابة الدبلوماسية الهادئة التي لا تتنازل عن الثوابت الدستورية، وعلى مدار العقود أثبت شعب كوردستان أنه يمتلك جينات البقاء فالهجرة المليونية في تسعينيات القرن الماضي لم تكن مجرد هروب من الموت بل كانت صرخة عالمية غيرت موازين القوى وأدت لفرض واقع جديد حمى الكيان الكوردي واليوم يتكرر المشهد بصور مختلفة فالإقليم الذي كان يُراد له أن يكون منطقة معزولة صار اليوم مركزاً للطاقة وواحةً فريدة للتعايش الديني والعرقي تجمع المسلم والمسيحي والإيزيدي والعربي والتركماني تحت مظلة قانونية واحدة وهذا التعايش هو السلاح الأقوى في وجه الراديكالية المحيطة ما يجعل من استقرار أربيل صمام أمان لاستقرار المنطقة بأكملها وضرورة دولية لا ترفاً سياسياً. 

إن رسالة القيادة الكوردية اليوم تتسم بالنضج السياسي العالي فهي لا ترد على الاستفزاز بالاستفزاز بل بمزيد من الانفتاح والدبلوماسية والإصرار على حماية كيان الإقليم الدستوري مع التمسك بسيادة القرار الكوردي وهو ما يفسر التضامن الدولي الواسع مع الإقليم كلما تعرض لعدوان. إن التاريخ يكتبه الآن أولئك الذين رفضوا الانكسار والذين جعلوا من وصية قاضي محمد في الوحدة والتكاتف دستوراً عملياً يواجهون به عواصف الحاضر بأدوات العصر من علم وإعمار ودبلوماسية.

 لقد انتهى زمن المشانق التي تنهي الأحلام وبدأ عصر الكيان الذي يواجه حرب الوجود بإرادة صلبة فمن نجا من الكيماوي ومشانق جوار جرا ولوعات النزوح المليوني لن تكسره ضغوط الموازنات أو دوي الانفجارات. كوردستان اليوم هي عنقاء الشرق التي نفضت غبار الإبادات لتطير بجناحي الحرية والتقدم مؤكدةً أن جبالها التي شهدت هجرة الملايين هي ذاتها التي تحمي اليوم أحلامهم لتبقى كوردستان شامخة منارةً للأحرار وعنواناً لسيادةٍ لا تُباع وإرادةِ شعبٍ كُتب عليه أن ينتصر أو ينتصر.