نادر سعدون
استشاري تأسيس وتطوير أعمال
عشرة دروس مستخلصة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية وإيران
منذ نهايات عام 2019، في ظل أزمة انتشار فيروس كورونا كوفيد-19، وحتى الآن لم يمر على العالم أزمة بحجم تلك الأزمة التي حدثت آنذاك، حتى جاءت حرب 28 شباط عام 2026، الحرب الأمريكية الإسرائيلية وإيران، وأحدثت أزمة عالمية جديدة. هذه الحرب التي أثرت على العالم اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا ودبلوماسيًا، وأظهرت هشاشة الاقتصاد العالمي، وقوة الولايات المتحدة الأمريكية، وتخبط إيران، وحكمة دول الخليج، وحذر الاتحاد الأوروبي، وصلابة إقليم كُردستان، وعدم الجدوى من بعض المنظمات والتحالفات والاتحادات. هذه الحرب أكدت بأن صناع البرمجة والتكنولوجيا والإنترنت والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني هم وحدهم من يستطيعون التحكم بالعالم وتغييره، وأثبتت أيضًا أن المعابر والمضائق البحرية تهديد محتمل في كل وقت، ويجب البحث عن بدائل أفضل لها أو وضعها تحت سيطرة منظمة عالمية مستقلة لإدارتها بحماية دولية. وأثبتت أيضًا أن الدول التي تعتمد اقتصاداتها على النفط والغاز فقط مهددة بالانهيار والإفلاس والفقر والمجاعة عند أي توقف يصيبها. هذه الحرب فرضت على الكثير من الدول مراجعة نفسها وعلاقاتها وسياساتها وتحالفاتها وإعادة النظر في رؤيتها ووضع الخطط المناسبة لمواجهة المخاطر والتهديدات.
ما يطبق على الدول يطبق أيضًا على الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ويطبق أيضًا على الأفراد، وهذه عشرة دروس مستخلصة من هذه الحرب للاستفادة منها:
بناء علاقات صحيحة ومتنوعة
تكمن قوة الدول والشركات والأفراد في عدد العلاقات الصحيحة والصحية ونوعية تلك العلاقات وكيفية الاستفادة منها، ومراجعتها بشكل دوري واختبارها المستمر وتغييرها عند عدم كفائتها. فلا تحالفات ولا صداقات دائمة في السياسة، وكذلك لا عداوات دائمة، ولا مجاملات في العلاقات عديمة الفائدة فهي تتحول إلى عبء وتعيق التقدم في إنشاء علاقات أخرى أكثر جدوى وأهمية مع أطراف أخرى.
العلاقات الصحيحة والمتنوعة من حيث الشكل والمضمون تعتبر صمام الأمان والسلاح السري، ففي الأزمات تصبح العلاقات الصحيحة والصحية حبل نجاة.
تنويع مصادر الدخل
تكمن قوة الدول والشركات والأفراد أيضًا في تنوع مصادر دخلها، وعدم الاعتماد على مصدر دخل واحد مهما كان قويًا ومربحًا، فالمتغيرات الدولية سريعة جدًا ومن الممكن أن تجعل من ذلك المصدر عديم الجدوى خلال دقائق، وينتهي بك الأمر إلى الإفلاس والانهيار بمجرد زوال ذلك المصدر أو توقفه.
فالعمل على إيجاد مصادر دخل متنوعة يعتبر ضرورة قصوى، ويجب البحث عنها وتشغيلها والاستفادة منها وتقويتها إلى أكبر درجة ممكنة من القوة والنجاعة.
وضع الخطط البديلة
تكمن قوة الدول والشركات والأفراد في عدد الخطط البديلة التي يمتلكونها ومدى جاهزيتها وكفاءتها عند حدوث أزمات مفاجئة ومخاطر محتملة، فالذي لا يملك خططًا بديلة كافية سيتم استغلاله والتحكم به وبقوته والتأثير والسيطرة عليه بسهولة. فالخطط البديلة، حتى ولو لم تُستخدم، فهي مصدر قوة لا يستهان بها، وتُؤخذ بعين الاعتبار من قبل المنافسين أو الأعداء. أظهر للملأ بعضها وأخفي البعض الآخر، فلا تظهر كل ما لديك لأي جهة كانت.
تأمين الاحتياجات الأساسية
تكمن قوة الدول والشركات والأفراد في حجم قدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية للعيش كالماء والغذاء والدواء، وذلك من خلال اكتشافها وصنعها وزراعتها لتحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام. هذه العناصر تعتبر من أهم وأعظم الأسلحة التي تجعل الفرد أو الدولة قادرًا على تحمل الأزمات لفترات طويلة وعدم الاستسلام، وتجعل منك المتحكم والمسيطر وليس مجرد متفرج ومنهزم.
فالعمل على خلق تلك الاحتياجات بشكل مستدام يجعلك قويًا وخالدًا، وعلى الدول بشكل خاص التركيز بشكل جدي على الزراعة وتوفير عدة مصادر للمياه الصالحة للشرب بشكل مستدام.
الاستثمار في البرمجة
تكمن عظمة الدول والشركات والأفراد في قدرتها على صنع وإنشاء برمجيات تستطيع من خلالها التحكم بكل شيء في العالم. فالبرمجة هي أساس العلوم الحديثة، وهي الوقود الحيوي للتكنولوجيا والهندسة والذكاء الاصطناعي والإنترنت والأقمار الصناعية. من يسيطر على البرمجة يسيطر على العالم والمنافسين. لذلك، يعتبر الاستثمار في البرمجة أقوى وأفضل وأعظم السلاح الذي يجب أن تتسلح به الدول والشركات والأفراد. بدون البرمجة، لا تكنولوجيا، ولا ذكاء اصطناعي، ولا أسلحة متطورة، ولا قوة عسكرية حديثة، ولا إنترنت، ولا أقمار صناعية، ولا أمن سيبراني، ولا استدامة.
الابتعاد عن الغرور
الغرور يمنع الدول والشركات والأفراد من التقدم والتطور، ويُنهِي كل المساعي نحو التحسين المستمر، ويُخفي عنك عيوبك ويجعلك محجوزًا في منطقة معزولة عن بقية المنافسين. الغرور يبقيك في منطقة الراحة التي ستقوم بتدميرك شيئًا فشيئًا. فلا تكن مغرورًا وتدّعِ بأنك تعرف كل شيء وتتقنه، فهناك مئات النماذج من دول وشركات وأفراد أصابهم الغرور وأفلَسوا وانهاروا وأصبحوا في خبر كان، وانتهى بهم المطاف إلى العدم. الغرور يؤدي إلى الانعزال، وبدوره الانعزال يضعف قدرتك على التنبؤ بالمخاطر والتهديدات ويضيع عليك الكثير من الفرص. فلا تغتر بالنجاح الحالي.
توفير الاحتياطي النقدي
السيولة النقدية أو الكاش من العناصر المهمة جدًا في مثل هذه الظروف على مستوى الدول والشركات والأفراد، فالاحتياطي النقدي ضرورة لاستمرار العمل والحياة بكفاءة طبيعية، ويُحميك من التعرض لأزمات مالية تجبرك على الاقتراض والاستدانة، وهو أمر صعب في تلك الظروف. من الضروري جدًا أن تمتلك سيولة نقدية احتياطية تغطي كل تكاليفك لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر. ويمكن تمديد هذه المدة عبر تقليص المصاريف والاستغناء عن الأشياء الثانوية والكماليات وتأجيل ما يمكن تأجيله.
دراسة المنافسين بعمق
دراسة المنافسين من أهم العناصر التي يجب العمل عليها بعمق على مستوى الدول والشركات والموظفين. يجب معرفة كيف يفكر المنافسون وأين وكيف ينجحون، والبحث عن نقاط ضعفهم وكيفية الاستفادة منها، وكذلك دراسة نقاط قوتهم وتحليل سببها واكتشاف ميزاتهم التنافسية، ووضع الخطط المناسبة لمواجهة كل نقطة أو تجنب كل خطر. المنافسون هم مقياس مهم لمعرفة مدى كفاءتك للمنافسة والاستمرار بقوة. إن لم تدرس منافسيك جيدًا، فقد يتحول منافسك إلى عدو مباشر عندما تتضارب المصالح وتصبح القضية معركة وجود. كن مستعدًا دائمًا ولا تهمل منافسيك أبدًا، فمن لا يدرس المنافسين جيدًا غالبًا يُفاجأ بتصرفاتهم.
الجاهزية
الجاهزية الحقيقية تعني الاستعداد المستمر والدائم لكل الظروف—المتوقعة وغير المتوقعة—وهي ما يمنح الدول والشركات والأفراد قدرة عالية على الصمود أمام الأزمات وتقليل آثارها. الجاهزية تبدأ من بناء منظومة معلومات قوية من خلال جمع البيانات من مصادر متعددة وتحليلها بذكاء وتحويلها إلى رؤى قابلة للتنفيذ. المعلومة الدقيقة وفي الوقت المناسب تمنح صاحبها أفضلية في التوقع واتخاذ القرار.
ولا تكتمل الجاهزية دون المرونة وسرعة التكيف، فالعالم يتغير بسرعة، ومن يستطيع تعديل خططه وأدواته بسرعة هو الأقدر على الاستمرار والتقدم.
إجراء تحليل سوات (SWOT Analysis)
على كل دولة وشركة وفرد أن يبدأ فورًا بإجراء تحليل سوات بشكل احترافي إذا لم يكن لديهم ذلك التحليل مسبقًا، أو إذا تم إجراؤه منذ مدة طويلة. مع التغييرات السريعة في كل المجالات، يتطلب إعادة تحليل سوات سنويًا على مستوى الدول والشركات والأفراد. يتألف هذا التحليل من دراسة واكتشاف نقاط القوة، ونقاط الضعف، والفرص المتاحة، والتهديدات أو المخاطر المحتملة، وبعدها يتم وضع خطط خاصة للاستفادة من كل نقطة أو تجنب كل خطر. تحليل سوات معيار مهم للقوة والاستدامة.
المراجعة المستمرة وتقييم الأداء والمراقبة الدقيقة ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي خط الدفاع ضد المخاطر والتهديدات سواء كانت داخلية أو خارجية. من خلال المتابعة الدائمة وتصحيح المسار يمكن تقليل تأثير الأزمات أو تجنبها قبل أن تتفاقم. فمن يراقب أداؤه باستمرار يملك القدرة على اكتشاف الخلل مبكرًا واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب والبقاء بعيدًا عن الأزمات قدر الإمكان.