أ.د نزار خورشيد مامه
محرر
كوردستان حين تشتدّ العواصف… تتماسك الجبال
لا يقف هذا البيت عند حدود الحكمة المجرّدة، بل يتجاوزها ليغدو مرآةً تعكس سنن الاجتماع الإنساني في أزمنة الشدّة؛ إذ تتحول الوحدة إلى شرطٍ للثبات، ويغدو التفرّق بدايةً للتصدّع والانكسار. ومن هذا المنظور تحديدًا، يمكن فهم ما يجري اليوم في إقليم كوردستان، في ظل تصعيدٍ إقليمي تتشابك فيه حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران.
لقد أثبت المجتمع الكوردستاني أن هذا البيت لم يعد قولًا مأثورًا، بل تحوّل إلى سلوكٍ حيّ. فمع تزايد التهديدات، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، لم ينزلق الإقليم إلى حالة من الانقسام أو القلق المفرط، بل اتجه نحو مزيد من التماسك، وكأن الخطر الخارجي أعاد ترتيب الأولويات الداخلية، ودفع الجميع إلى الالتقاء عند نقطة واحدة: حماية كوردستان.
من المدن إلى القرى، ومن المؤسسات إلى الأفراد، تشكّل وعيٌ جمعي بأن المرحلة لا تحتمل التباينات، وأن قوة الإقليم تكمن في وحدته. لقد أدرك الكورد، عبر تجاربهم التاريخية، أن التفرّق لا ينتج إلا هشاشة، وأن الاجتماع — كما يقول البيت — هو الذي يمنح "الرماح" صلابتها وقدرتها على الصمود.
وفي هذا السياق، برزت حكومة الإقليم بوصفها الإطار الذي احتضن هذا التماسك ووجّهه. فقد تعاملت مع التطورات الأخيرة برؤية متوازنة، جمعت بين الحزم والهدوء، وبين حماية الأمن الداخلي والحفاظ على الاستقرار السياسي. لم يكن الهدف مجرد إدارة الأزمة، بل منعها من التحول إلى عامل انقسام داخلي.
عملت الأجهزة الأمنية على رفع مستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق لمواجهة التحديات المستجدة، فيما حرصت الحكومة على تقديم خطاب مسؤول يبعث على الطمأنينة، دون التقليل من حجم المخاطر. هذا التوازن الدقيق أسهم في تعزيز ثقة المواطن بالمؤسسات، وجعل المجتمع شريكًا في مواجهة التحديات، لا متلقيًا لها.
وعلى المستوى السياسي، حافظت حكومة الإقليم على نهجها القائم على الانفتاح والتواصل، مؤكدة أن كوردستان ليست ساحة صراع، بل طرف يسعى إلى الاستقرار. وقد ساعد هذا الموقف في تثبيت صورة الإقليم ككيان مسؤول، قادر على إدارة الأزمات دون الانجرار إلى تصعيد غير محسوب.
إنّ اللافت في هذه المرحلة هو أن التماسك لم يكن مفروضًا من الأعلى، بل نابعًا من الداخل؛ من وعي المجتمع نفسه، ومن إدراكه أن ما يجمعه أكبر بكثير مما قد يفرّقه. وهنا يتجسد معنى البيت الشعري في صورته الأعمق: فالوحدة ليست مجرد شعار، بل قوة فعلية تحمي المجتمع من التكسّر، مهما اشتدت الضغوط.
في النهاية، قد تتغير موازين القوى، وقد تتبدل خرائط النفوذ، وقد تعيد الصراعات رسم حدود التأثير بين الدول، لكن تبقى حقيقة واحدة عصيّة على التبدّل: أن الشعوب المتماسكة لا تُكسر بسهولة، مهما اشتدت عليها الضغوط. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في امتلاك أدوات الردع، بل في قدرة المجتمع على الثبات، وعلى تحويل التحديات إلى عناصر صلابة داخلية.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة إقليم كوردستان مثالًا حيًا على هذه المعادلة؛ إذ لم تؤدِّ التهديدات المتصاعدة، ولا الضربات بالطائرات المسيّرة، إلى إضعاف الجبهة الداخلية، بل أسهمت — على نحو لافت — في تعزيز الشعور الجماعي بالمسؤولية، وفي إعادة ترتيب الأولويات باتجاه حماية الاستقرار. فحين يدرك المجتمع أن الخطر لا يفرّق بين مكوناته، يصبح التماسك خيارًا عقلانيًا قبل أن يكون موقفًا عاطفيًا.
إن اجتماع "الرماح" هنا لم يعد مجرد صورة بلاغية تُستحضر في مقام الخطابة، بل تحوّل إلى حقيقة سياسية واجتماعية ملموسة. فالتكاتف بين المواطن والمؤسسة، والتقارب بين مختلف الفئات، والقدرة على ضبط الانفعالات في لحظات التوتر، كلها عناصر تصنع بيئة مقاومة للانهيار. وهذا ما يمنح كوردستان، في خضم هذا المشهد المضطرب، ميزة نسبية لا تُقاس فقط بموازين القوة التقليدية، بل بعمق التماسك الداخلي.
وعليه، فإن الفارق بين الصمود والانهيار لا يُرسم فقط على خرائط الجغرافيا، بل يُحسم في داخل المجتمعات نفسها. وكوردستان اليوم تقدّم نموذجًا واضحًا في أن الوحدة ليست شعارًا يُرفع في أوقات الأزمات، بل بنية راسخة تُبنى عبر الزمن، وتظهر قيمتها الحقيقية عندما تتكاثر التحديات وتضيق الخيارات.