أ.د نزار خورشيد مامه
محرر
مفاوضات بلا ضفاف: أمريكا وإيران عند نقطة اللاعودة
أنا الغريقُ، فما خوفي من البلل… هكذا اختصر المتنبي لحظة التماس الحاد مع المصير، حيث لا يعود للخوف معنى حين يبلغ الصراع مداه الأخير. وعلى هذا النحو تبدو اليوم المحادثات الأمريكية الإيرانية وقد انزلقت إلى حافة اللاعودة، حيث لم يعد ممكناً ترحيل الخلافات أو تجميلها بعبارات دبلوماسية رخوة.
لقد تجاوز الطرفان مرحلة جسّ النبض وتبادل الرسائل غير المباشرة، بل وممارسة قوة الفعل ورد الفعل ليصلا إلى لحظة حاسمة: إما إعادة تعريف العلاقة على أسس جديدة، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة تتعدد ساحاتها وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية. فالقضايا المطروحة لم تعد تقنية أو جزئية، بل باتت تمس جوهر النفوذ، وحدود القوة، وشكل النظام الإقليمي برمّته.
الولايات المتحدة تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية أمنية واستراتيجية أوسع، تتداخل فيها حسابات الحلفاء، وأمن الطاقة، ومنع تمدد النفوذ في مناطق حساسة. في المقابل، ترى إيران أن أي تراجع الآن سيكون بمثابة تنازل تاريخي يمس مكانتها الإقليمية، ويقوض سرديتها القائمة على الصمود والتحدي.
وبين هاتين الرؤيتين، تتآكل مساحات المناورة. فكل خطوة إلى الأمام من أحد الطرفين تُفسَّر تصعيداً من الآخر، وكل مبادرة تُقرأ بريبة، ما يجعل فرص التفاهم تضيق تدريجياً. إنها لعبة حافة الهاوية، حيث لا مجال للخطأ، ولا ضمانات لاحتواء التداعيات.
في هذا السياق، لم يعد السؤال: هل ستنجح المفاوضات؟ بل أصبح: أي شكل سيتخذه الفشل إن وقع؟ وهل سيكون فشلاً قابلاً للاحتواء، أم شرارةً تعيد رسم خرائط التوتر في المنطقة؟
كما في بيت المتنبي، يبدو أن الطرفين قد بلغا من الغرق ما يجعلهما أقل خشية من البلل… وأكثر استعداداً للمضي حتى النهاية. فحين تصل الأزمات إلى هذا العمق، لا تعود الخيارات تُقاس بمنطق الربح والخسارة التقليدي، بل بمنطق القدرة على الاحتمال والاستمرار. هنا، يصبح التراجع مكلفاً بقدر الإقدام، وربما أشد، لأن كلفته لا تُحسب فقط في ميزان السياسة، بل في ميزان الهيبة والرمزية والتأثير.
في هذه اللحظة المفصلية، تتحول المفاوضات من وسيلة للحل إلى اختبار للإرادات، حيث يسعى كل طرف إلى انتزاع اعترافٍ ضمني بحدوده ونفوذه، أو فرض معادلة جديدة تُعيد ترتيب المشهد الإقليمي. لكن خطورة هذا “الغرق المشترك” تكمن في أن كِلا الطرفين يدرك عمق المياه، ومع ذلك يواصل السباحة نحو المجهول، مدفوعاً بحسابات معقدة لا تسمح بسهولة التراجع أو القبول بأنصاف الحلول.
وهكذا، لا تعود المسألة مجرد خلاف قابل للتسوية، بل تصبح لحظة فاصلة: إما أن تُنتج واقعاً جديداً يعيد تعريف التوازنات، أو تفتح الباب على فوضى لا يمكن التنبؤ بمآلاتها. وفي الحالتين، يبدو أن الجميع قد تجاوز مرحلة الخوف… ودخل مرحلة الاختبار الحقيقي للقدرة على البقاء.
كما في بيت المتنبي، ليس الخطر في البلل، بل في عمق الغرق ذاته… وهناك، حيث تختفي الحدود بين الجرأة والمغامرة، تُكتب النهاية الكبرى