شفان إبراهيم
Author
حين يتقدّم الواقع ويتأخر الفكر: مأزق بناء العقل السياسي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تعود السياسة مجرّد إدارة يومية للأزمات، بل تتحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الفكر السياسي على تفسير الواقع وصياغة المستقبل. وما يجري اليوم في سوريا، وفي المجال الكوردي الممتد مع إقليم كوردستان العراق، يكشف بوضوح أن غياب الرؤية الفكرية المتماسكة لا يقل خطورة عن غياب الأدوات السياسية نفسها.
لقد دخلت سوريا منذ الحرب والثورة السورية في مسار تفكك معقّد، حيث تراجعت الدولة المركزية لصالح قوى متعددة، متباينة في مرجعياتها ومصالحها. وفي قلب هذا المشهد، برزت المناطق الكوردية السورية بوصفها حالة سياسية خاصة، تحاول أن تؤسس لنموذج حكم محلي في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. غير أن التحدي الأساسي لم يكن عسكرياً أو إدارياً فحسب، بل فكرياً بالدرجة الأولى: أي نموذج سياسي يمكن أن يصمد في فضاء تتصارع فيه مشاريع الدولة، واللا دولة، والهويات المتنازعة؟
في المقابل، قدّم إقليم كوردستان العراق، خلال العقود الماضية، نموذجاً مختلفاً، يقوم على تراكم سياسي ومؤسساتي قادته شخصيات محورية مثل الرئيس مسعود بارزاني. هذا النموذج نجح في تحقيق حد ممتاز من الاستقرار، مستنداً إلى مزيج من الواقعية السياسية والمرجعية القومية والتنظيم الحزبي.
إن الربط بين الحالتين—الكوردية السورية والكوردستانية العراقية—يكشف فجوة فكرية أكثر مما يكشف اختلافاً في الظروف فقط. ففي حين تطور الفكر السياسي في كوردستان العراق باتجاه بناء مؤسسات قادرة على إدارة التوازنات، بقيت التجربة الكوردية في سوريا أسيرة تردد بين نماذج متناقضة: من الطموح إلى حكم ذاتي مستقر، إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز قدرتها على التحكم بمآلاتها، إلى الاكتفاء بالمشاهدة والمتابعة السياسية، وصولاً لغياب أيّ مشروع إعلامي ثقافي يرافق التطورات السياسية، وانتهاءً بضعف الأداء على المستوى الميداني.
الفكرة المركزية هنا أن التحولات السياسية لا تُنتج بذاتها استقراراً، ما لم تُرافقها منظومة فكرية واضحة تحدد: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف نصل؟ في غياب هذه الأسئلة، تتحول السياسة إلى رد فعل، لا إلى فعل. وهذا ما يمكن ملاحظته في كثير من لحظات القرارات لمختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة الكوردية في سوريا، حيث طغت الضرورات الآنية على الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
في هذا السياق، يمكن القول إن أحد أهم دروس التجربة في كوردستان العراق هو القدرة على المزاوجة بين الثابت والمتغير: الحفاظ على الهويّة القومية كمرتكز، مع اعتماد البراغماتية في إدارة العلاقات مع بغداد والقوى الإقليمية. هذه المعادلة، رغم تعقيدها، وفّرت هامش حركة مكّن الإقليم من البقاء ضمن المعادلة، لا على هامشها.
أما في الحالة السورية، فإن التحدي لا يزال قائماً في بناء فكر سياسي قادر على تحويل فكرة الخصوصية السياسية والحقوق القومية الدستورية، من واقع بائس وتحت التهديد والخطر بحكم الظروف، إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار والاعتراف. وهذا يتطلب، قبل أي شيء، إعادة تعريف العلاقة مع الدولة السورية المستقبلية، ومع المحيط الإقليمي، على أسس واقعية لا أيديولوجية صلبة.
إن المنطقة الكوردية، في سوريا وكوردستان العراق معاً، تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح في إنتاج رؤية سياسية مشتركة—ولو بالحد الأدنى—تقوم على التنسيق لا التنافس، وعلى فهم عميق لموازين القوى، أو أن تبقى عرضة لإعادة التشكل وفق إرادات خارجية، إن تمكنت من ذلك.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للفكر السياسي الكوردي السوري بوصفه أداة توجيه، لا ترفاً نظرياً. فالمطلوب استيعاب الدروس: كيف تُبنى الشرعية؟ كيف تُدار التعددية؟ وكيف يُحافَظ على القضية القومية ضمن بيئة دولية لا تعترف إلا بمن يمتلك أدوات التأثير؟
إن الرؤية لمستقبل المنطقة يجب أن تنطلق من مسلّمة أساسية: لا يمكن لأي كيان سياسي كوردي أن يستمر بمعزل عن محيطه، ولا يمكنه أيضاً أن يذوب فيه، هذا غير مقبول، وبل مرفوض. هذه الثنائية تفرض تبنّي نموذج مرن، يقوم على الشراكة الحقيقية داخل الدول، مع الحفاظ على خصوصية الهوية والقرار. ليكون العائق الأساسي، أن الطرف الأخر في معادلة التوافق "الوطني" غير مستعد غالباً لمثل تلك الخطوات، إلا ضمن امتلاكه لأدوات التحكم والسيطرة.
بوصفي من جيل يتابع هذه التحولات عن كثب، أرى أن الرهان الحقيقي ليس على تغير موازين القوى فحسب، بل على قدرتنا على إنتاج نخب سياسية جديدة، تمتلك وعياً فكرياً يوازي تعقيد المرحلة. نخب تدرك أن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي—في جوهرها—فن بناء الممكن ضمن حدود الواقع.
إن ما يجري اليوم ليس نهاية مسار، بل بداية تشكّل جديد. والسؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة ليس: من يملك القوة الآن؟ بل: من يملك الرؤية القادرة على تحويل هذه القوة إلى استقرار دائم.