شفان إبراهيم
Author
هو: لأجل من؟ لأجل ماذا؟ هي: لازال صحن ابني على المائدة
تسللت القشعريرة إلى ابداننا يوم الأربعاء25-2-2026. كانت أصوات الأهالي تملئ سماء قامشلو صخباً، وحزناً، وألماً. مشهدٌ تجاوز قصص التريند وخوارزميات الفيسبوك، الدموع والصياح وحسرات الأمهات. التعابير والجُمل والعبارات التي حملها واطلقا الآباء والأطفال والمُسنين، شكلت مُربعاتٍ من الاستفهامات على رؤوسنا.
حيث تظاهر المئات من أهالي المدينة، مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، خلال المعارك التي وقعت بين قسد والقوات الحكومية السورية. فمنذ ذلك الحين وإلى لحظة كتابة هذه العبارات، لا يزال مصيرهم مجهول. ورغم تواتر مقاطع الفيديو التي نشرتها معرفات لجهات محسوبة أو مُقربة من السلطة، لكنها لا تُشكل شيئاً أمام الأعداد الكبيرة للمفقودين. حيث تتنوع تسمياتهم مابين أعضاء التجنيد الإلزامي، أو المتطوعين، أو المنتسبين رسمياً إلى قسد. وبكل الأحوال فإن السواد الأعظم من مجهولي المصير، وجدو أنفسهم أمام القوات الحكومية، بعد انسحاب "قسد" وفقاً للاتفاق المبرم بين الطرفين، فيما يخص دير حافر. وتم اعتقال بعضهم من قبل العشائر العربية في تلك المنطقة وتسليمهم إلى القوات الحكومية، والتي الأخيرة أيضاً بدورها اعتقلت قسم من مقاتلي قسد. لكن المشكلة هي في خشية الأهالي أن يكون مصير أبنائهم قد أنتهى إلى غير الاعتقال.
التعتيم الإعلامي من الطرفين، يُثير جملة من الاستفهامات والشكوك. لماذا لا يتم إطلاق سراحهم، ولماذا لا تُطالب قسد بعناصرها، ولماذا اساساً لا تُبادر السلطة للقول والكشف عن الاعداد والاسماء المعتقلة لديهم، والسؤال الأبرز: لماذا تم تبادل الأسرى بين السلطة السورية والقوات الدرزية، في حين لا يتم الحديث حول الموضوع فيما يتعلق بقسد.
هذه الطريقة في التعاطي مع واحدة من أكثر الملفات إثارة للحساسيات المُجتمعية، إنما تخلق لدى القواعد الاجتماعية، نوعاً من التأطير والنمطية في اتخاذ الموقف من السلطة، ومن قسد أيضاً. إذ هل يُعقل أن تسّد السلطة اذانها عن نداءات الناس لمعرفة مصير أبنائها. أو بأيّ حق تتجاهل قسد الأصوات العالية للآباء وحرقة قلوب الأمهات، وتتجاهل بكل برودة، منح أيَّ جوابٍ عن مصير هؤلاء الشباب.
من خلال مُتابعتي لتلك التظاهرة، ومجمل ما يُنشر عبر وسائط التواصل الاجتماعي. فإن أبرز المُحددات هي:
1-لماذا يتم الإصرار على زج اسم إدلب، كمصدر لاعتقال الشباب الكورد ضمن قسد. ومع عدم إمكانية إزال أو استثناء سجون إدلب كمكان لتواجدهم. لكن مكان الاعتقال يتبع لمحافظة حلب، والتي لا تبعد عنها سوى 50 كلم فقط. فلماذا سيتم نقلهم إلى إدلب، إن صح الخبر؟ ولماذا لا يتم إطلاق سراحهم؟ أو على الأقل السماح لهم بإجراء مكالمة هاتفية أو رسالة واتس اب منهم مع ذويهم؟
2-لماذا يتم الإعلان بين الحين والأخر عن خبر استشهاد البعض من مقالتي قسد، وليس الكشف عن مصير البقية دفعة واحدة؟
3-ماذا ينتظر الرئيس السوري الانتقالي، وقائد قسد للإعلان وكشف عن حقيقة وضع هؤلاء.
اعود لبعض ما نُودي في التظاهرة، أو ما كانت الحناجر تصدح بها. كان أحد الآباء يُنادي بصوتٍ عالٍ: لأجل ماذا، لأجل من، من أجل من ذهب، لأجل ماذا أختفى، ما ذنبُنا، لماذا يتم حرق قلوبنا وأكبادنا؟ في كناية عن أبنه المفقود. وسيدة أخرى كانت تُنادي وعبر مختلف الإذاعات والتلفزيونات: إين يقف الشرف، لماذا اخذتم أبني إلى دير حافر، لماذا لا يهتمون بهم. لم أكن أعرف شيئاً عن دير حافر، ولم اسمع بسمها قبل اختفاء أبني. لا يقول لنّا أحداً ماذا حصل في دير حافر. لا أحد يقول لنّا ماذا حصل في دير حافر، هل كان هناك حرب، أم هجوم، هل هم أحياء أم استشهدوا. ولماذا لم يهرب أبنائنا من خلال الأنفاق؟ لا زال صحن وملعقة أبني توضع على سفرة الطعام، أعتقد إنه سيعود ليتناول العشاء معنا. ابنتي الصغيرة على الإفطار تقول: يارب خُذ صيامي وانا اتضرع به لإنقاذ أخي.
الصور العاطفية والإنسانية والتي تُصيب الإنسان في قلبه وعقله، كثيرة وكثيرة جداً. قالت إحداها: أُريد زوجي لماذا أخذوه، ولماذا لا يتم إطلاق سراحه، أنا حامل ماذا سأقول لأبنه حين يُبصر النور، لا أعرف أين أبوك؟
بالمنطق السليم: فإن السلطة تتحمل قسماً كبيراً من المسؤولية عما يجري، وهي بسكوتها وعدم الاعتراف بمصير هؤلاء الشباب، فإنها تضع نفسها في موقع المُذنب. ففي الحرب، ما أن تتوقف الاشتباكات، حتى يُحرم التعامل مع المُقاتل خارج إطار "أسرى الحرب" والتفوق الأخلاقي والقانوني هو في الكشف عن مصيرهم، معاملتهم بالتي هي أحسن. إضافة إلى أن لحظة دخول القوات الحكومية إلى دير حافر، كانت قسد في نهايات الانسحاب، وبالتالي يُطرح سؤالٌ عميق: لماذا وكيف بقيت أعداد كبيرة من الشباب في مكانها، دون الانسحاب؟ هل تلقت الأوامر ولم تلتزم؟ أم لم تتلقى الأوامر أبداً؟
مشهد الأطفال الصغار وهم حاملين لافتاتٍ تُطالب بآبائها أو أخوتها، تأخذ المُشاهد إلى اسوء اللحظات في تاريخهم وحياتهم، لحظة التفكير أن يكون بعضهم أو قسماً منهم لن يعود! ليعود السؤال مُجدداً: ماذا كانوا يفعلون هناك؟ ولماذا لم يعودوا مع من عادوا؟ ولأجل من قُلتنا؟