الكورد الفيليون .. من التهجير القسري إلى إبادة جماعية لا يمحوها الزمن ولا يُسقطها النسيان

الكورد الفيليون .. من التهجير القسري إلى إبادة جماعية لا يمحوها الزمن ولا يُسقطها النسيان
الكورد الفيليون .. من التهجير القسري إلى إبادة جماعية لا يمحوها الزمن ولا يُسقطها النسيان

تحلّ اليوم الذكرى الـ46 لحملات التهجير والترحيل والإبادة الجماعية التي تعرّض لها الكورد الفيليون على يد النظام البعثي السابق، في واحدة من أكثر الجرائم قسوةً وظلمًا في تاريخ العراق الحديث، فقد استهدفت تلك الحملات شريحة أصيلة من أبناء الوطن لا لذنب سوى انتمائها القومي والمذهبي، في محاولة منظّمة لاقتلاعها من جذورها ومحو حضورها التاريخي.

إن استذكار هذه الفاجعة لا ينبغي أن يظلّ مجرد لحظة حزن عابرة، بل يجب أن يكون وقفة وطنية وأخلاقية جادة لاستحضار حجم المأساة وما خلّفته من جراح عميقة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم. فالقضية لم تكن مجرد تهجير جماعي بل مشروعًا ممنهجًا للتجريد من الهوية والحقوق والانتماء.

ولم تبدأ معاناة الكورد الفيليين عام 1980 وحده، بل تعود إلى السنوات الأولى التي تلت وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1968 حين بدأ استهدافهم عبر إجراءات تعسفية وحملات إبعاد وتهجير اتخذت طابعًا عرقيًا وطائفيًا واضحًا. وفي عام 1970 جرى ترحيل أكثر من سبعين ألف كوردي فيلي إلى إيران بعد إسقاط الجنسية العراقية عنهم تحت ذريعة “التبعية”، في انتهاك صارخ لحق الإنسان في المواطنة والانتماء. وتواصلت بعد ذلك الانتهاكات لتشمل خلال الأعوام اللاحقة حالات واسعة من الاختفاء القسري والإعدام في عدد من المناطق منها أطراف بغداد ومندلي وقزانية وخانقين وزرباطية وغيرها من المدن التي كان للكورد الفيليين فيها حضور فاعل ومؤثر.

غير أن ذروة هذه الجريمة وقعت في نيسان عام 1980 عندما أصدر النظام السابق القرار رقم 666، الذي نصّ على إسقاط الجنسية العراقية عن الكورد الفيليين وتصنيفهم على أنهم “إيرانيون” رغم أنهم مكوّن عراقي أصيل ومتجذر في تاريخ البلاد وبموجب هذا القرار تعرّضت مئات الآلاف من العائلات الفيلية للترحيل القسري خارج العراق وصودرت ممتلكاتهم وسُلبت منهم أبسط حقوقهم المدنية والإنسانية.

ولم تقف المأساة عند حدود التهجير ومصادرة الأموال بل امتدت إلى الاعتقال والتعذيب والإعدام فضلًا عن اختفاء آلاف الشبان الفيليين الذين ما زال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم، وتشير تقديرات عديدة إلى أن عدد المرحّلين بلغ نحو نصف مليون كوردي فيلي فيما تجاوز عدد المفقودين من الشبان 15 ألفًا، من دون أن تُكشف حتى الآن حقيقة ما جرى لهم أو أماكن دفنهم.

إن ما حدث للكورد الفيليين لم يكن إجراءً أمنيًا عابرًا ولا قرارًا سياسيًا مؤقتًا بل كان استهدافًا شاملًا للإنسان والهوية والوجود. فقد سعى النظام آنذاك إلى تفكيك هذا المكوّن واقتلاعه من المجتمع العراقي عبر إسقاط الجنسية، وتمزيق الأسر ونهب الممتلكات ودفع الآلاف إلى المنافي والضياع والفقدان، كما طالت حملات القمع التجار وأصحاب الأعمال من الكورد الفيليين، في محاولة واضحة لتحطيم بنيتهم الاجتماعية والاقتصادية وإضعاف حضورهم في الحياة العامة.

وبعد سقوط النظام السابق، حظي هذا الملف باهتمام قضائي ورسمي مهم إذ نظرت المحكمة الجنائية العراقية العليا في الجرائم المرتكبة بحق الكورد الفيليين وانتهت إلى أن ما تعرّضوا له يرقى إلى جريمة إبادة جماعية استنادًا إلى المادة 11 من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا رقم 10 لسنة 2005 المعدل كما صدر قرار مجلس الوزراء رقم 426 لسنة 2010 في 8 كانون الأول 2010، متضمنًا تعهّد الحكومة العراقية بإزالة الآثار السلبية التي لحقت بهذا المكوّن الوطني، ثم جاء قرار مجلس النواب رقم 18 لسنة 2011 في 1 آب 2011 ليؤكد رسميًا أن ما تعرّض له الكورد الفيليون يُعد جريمة إبادة جماعية قبل أن يُصادق عليه رئيس الجمهورية بالمرسوم الجمهوري رقم 6 لسنة 2012 في 8 شباط 2012.

ورغم أهمية هذا الاعتراف الرسمي والقضائي فإن العدالة ما تزال ناقصة ما لم تُستكمل بكشف مصير المفقودين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها وإنصاف الضحايا وذويهم وردّ الاعتبار الكامل لهذه الشريحة التي عانت طويلًا من التهميش والظلم.

إن إحياء هذه الذكرى لا يجب أن يبقى محصورًا في إطار الرثاء واستعادة الألم بل ينبغي أن يتحوّل إلى التزام وطني حقيقي بقيم العدالة والإنصاف والمواطنة المتساوية فالكورد الفيليون لم يكونوا يومًا طارئين على العراق بل كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من نسيجه الاجتماعي، وأسهموا بعمق في حياته الاقتصادية والثقافية والسياسية وإنصافهم لا يقتصر على إعادة الحقوق فحسب بل هو أيضًا دفاع عن ذاكرة العراق نفسها وعن حق جميع مكوناته في العيش الكريم والآمن بعيدًا عن التمييز والإقصاء.

وفي الذكرى الـ 46 لهذه المأساة، يبقى الوفاء الحقيقي لشهداء الكورد الفيليين ولعائلاتهم الصابرة متمثلًا في مواصلة السعي إلى الحقيقة وترسيخ العدالة، وإنهاء آثار هذا الظلم التاريخي وبناء دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحترام التنوع.

المجد والخلود لشهداء الكورد الفيليين والرحمة لأرواحهم الطاهرة والتحية لعائلاتهم الصابرة والثابتة.