صبحي مندلاوي
كاتب كوردي
الرابع من نيسان… ذاكرة الكورد الفيليين لا تنطفئ
لا يأتي الرابع من نيسان كأي تاريخ عابر، بل يحضر مثقلاً بالألم، محمّلاً بذاكرةٍ عصيّة على النسيان، وكأنه يوقظ في كل عام حكاية شعبٍ كُتب عليه أن يدفع ثمن هويته. ستة وأربعون عاماً مرّت لكن الجرح لم يهدأ ولم تتحول الفاجعة إلى مجرد ذكرى، بل بقيت حيّة في تفاصيل الحياة اليومية للكورد الفيليين، في نظرات الأمهات وفي صمت الآباء، وفي أسئلة الأبناء التي لم تجد لها جواباً حتى اليوم.
ما جرى لم يكن حدثاً طارئاً أو إجراءً عابراً في سياق سياسي مضطرب، بل كان جريمة متكاملة الأركان، خُطّط لها بعناية ونُفّذت بقسوةٍ لا تعرف الرحمة. مئات الآلاف من الأبرياء، من نساءٍ وأطفالٍ وشيوخ، أُخرجوا من بيوتهم قسراً في مشهدٍ تختلط فيه الفوضى بالرعب، والدموع بالعجز، ليجدوا أنفسهم فجأة خارج حدود الوطن الذي وُلدوا فيه. لم يُمنحوا حتى فرصة الوداع صودرت ممتلكاتهم، وسُلبت منهم أوراقهم، وكأنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من هذا المكان.
وعلى امتداد الحدود، تُركوا لمصيرٍ مفتوح على الموت، يسيرون فوق أرضٍ ملغومة لا يدرون أي خطوةٍ قد تكون الأخيرة. لم يكن ذنبهم سوى أنهم كورد، وأنهم ينتمون إلى هذا الجزء الأصيل من شعبٍ لطالما تعرّض للاستهداف بسبب هويته. وفي عمق هذه المأساة، يبرز الجرح الأكثر قسوة، حيث تم تغييب أكثر من اثني عشر ألف شاب كوردي فيلي اقتيدوا إلى مصيرٍ مجهول، ولم يعد منهم أحد، ولم تُكشف حتى اليوم حقيقة ما جرى لهم بقيت أمهاتهم معلّقات بين الأمل والوجع، ينتظرن خبراً، قبراً، أو حتى إشارة تنهي هذا الانتظار القاسي.
وعندما سقط النظام الدكتاتوري، وارتفعت شعارات الحرية والعدالة، ظنّ الكثيرون أن صفحةً جديدة ستُفتح وأن الحقوق ستُعاد إلى أصحابها، وأن معاناة الفيليين ستجد طريقها إلى الإنصاف. لكن ما حدث كان أشبه بصدمةٍ أخرى، فقد تغيّرت الأسماء والوجوه، إلا أن العقلية التي أنتجت الظلم لم تختفِ بالكامل بقيت ذات النزعة الإقصائية حاضرة، وإن ارتدت ثوباً مختلفاً، واستمرّ التهميش بصيغٍ جديدة، أقلّ حدّة في الشكل، لكنها لا تقل قسوة في الجوهر.
لا تزال قضايا الكورد الفيليين، من استعادة الجنسية إلى إعادة الممتلكات، ومن كشف مصير المغيبين إلى تحقيق العدالة، تدور في أروقة السياسة دون حسمٍ حقيقي. تُكتب النصوص، وتُعلن الوعود، لكن التنفيذ يبقى غائباً، وكأن هذه القضية لا تزال مؤجلة إلى أجلٍ غير معلوم. هذا التأجيل المستمر لا يعني سوى أن الجرح لم يُعالج، وأن المأساة لم تُغلق فصولها بعد.
الرابع من نيسان ليس مجرد محطةٍ لاستذكار الماضي، بل هو لحظة مواجهة مع الحاضر، واختبار لمدى صدق الإرادة في تحقيق العدالة. هو تذكير بأن الشعوب لا تنسى، وأن الألم إذا لم يُنصف، يتحول إلى ذاكرةٍ تقاوم النسيان. والكورد الفيليون، رغم كل ما تعرضوا له، ما زالوا متمسكين بحقهم في الحياة الكريمة، في الاعتراف، وفي استعادة ما سُلب منهم ظلماً.
إنها قضية لا تخص شريحة بعينها، بل تمسّ ضمير وطنٍ بأكمله. فإما أن تُنصف هذه الذاكرة، ويُعاد الاعتبار لأصحابها، أو تبقى شاهداً على خللٍ عميق في فهم العدالة ومعناها. وفي كل عام سيبقى هذا اليوم يقول لنا إن الحق لا يسقط بالتقادم، وإن الجراح التي لم تُداوَ، ستظل تنزف حتى تجد من ينصفها.